الأربعاء - 17 يوليو 2024
الأربعاء - 17 يوليو 2024

الرياضة والذكاء الاصطناعي .. جدلية التطور والهيمنة

الرياضة والذكاء الاصطناعي .. جدلية التطور والهيمنة

الأمريكي جون مكارثي أول من استخدم مصطلح الذكاء الاصطناعي. (الرؤية)

لم يدر بخلد عالم الحاسوب الأمريكي جون مكارثي وهو يسكّ مصطلح الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى نهاية 1955، أن تصوره الذي توصل إليه سيصبح حديث العالم بعد نحو نصف قرن من الزمن، بل المسيطر كلياً على شتى مناحي الحياة، ولا يزال يعد بالكثير والوفير في مقبل الأعوام.

بتعريفه الموجز للمصطلح رأى مكارثي أن الذكاء الاصطناعي «علم وهندسة الآلات الذكية»، بمعنى تزويد الآلات ببرامج حاسوبية تؤهلها لمحاكاة القدرات الذهنية البشرية، لتنطلق من هنا المسيرة التي وصلت إليها البشرية الآن من صناعة روبوتات قادرة على القيام بالكثير من الأعمال الإنسانية، بل مهددة للإنسان نفسه، بسبب دقتها وإتقانها لقدرتها على التعلم دون كلل أو ملل.

(طائرات بدون طيار.. روبوت محاسب وآخر مدير.. أنظمة ذكية تفوق قدرات البشر بكثير.. كاميرات مزودة بتقنيات يعجز العقل عن تصورها)، كل هذه مجرد نماذج تؤكد مجتمعة حقيقة واحدة وهي أن العالم يتغير، وسطوة الذكاء الاصطناعي تصل المجالات كافة، لتجعل من هذا العصر عصر ازدهار العقل الإلكتروني.

واقتصادياً، يعتبر الذكاء الاصطناعي النفط الجديد، فقد وصلت أرباحه إلى أكثر من مليار دولار عام 1985، ويتوقع أن يضيف نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول 2030، وهو ما يتجاوز الناتج الحالي للصين والهند معاً، وهذه أرقام توضح مكانة ما نحن بصدد العمل عليه في هذا الملف، وإن كان من زاوية رياضية بحتة.


فالرياضة ليست بمنأى عن هذا العالم المتجدد والمتطور، على الرغم من التصورات التي ظلت تلاحقها على مر العصور بأنها من كماليات الحياة لجهة انتمائها لعالم الترفيه، لكن بنظرة دقيقة لرياضة اليوم وما يدور في فلكها من استثمارات وأرقام سرعان ما تسقط عنها تلك النظرة، لتتحول بالتالي إلى مجال رائد يخطب ود التقنيات المختلفة لكي يرتاد مكاناً أبعد في التقدم وتحقيق أهداف تتماشى وروح العصر.

في سلسلة حلقات تتبع «الرؤية» آخر مستجدات الذكاء الاصطناعي في الرياضة ككل وكرة القدم بشكل خاص، وتنطلق الحلقات من تسليط الضوء على مصطلح الذكاء الاصطناعي، قبل التعرف إلى أبرز مظاهره في الرياضة بشكل عام، وكذلك إلى مكانة الرياضة الإماراتية والعربية إجمالاً ومدى مواكبتها للموجة التكنولوجية الجديدة، وكذلك الإشكالات التي تعوق ذلك، لنختم بتخيّل شكل رياضتنا بعد نحو 3 عقود من الآن، أي في عام 2050 في زمن الذكاء الاصطناعي.مما لفت الأنظار في المونديال الأخير هو كرة القدم المعروفة بـ«تلستار»، والتي اخترعتها أديداس وضمنتها رقاقة الاتصال قريب المدى (إن إف سي)، وتسمح تكنولوجيا (إن إف سي) للكرة بالاتصال بهاتف ذكي، وهي المرة الأولى التي يتم فيها تضمين شريحة NFC في كرة.

تقدم هذه الكرة فرصاً عدة، تتمثل الأولى بمعلومات إحصائية سريعة في بعض المباريات، لكن الجانب الأهم حالياً يتمثل بالتجربة الشخصية، فهي تمكن الأفراد من إجراء تحديات خاصة بهم توفرها الشركة المصنعة، وهناك فرص قد تتطور مستقبلاً تتمثل بتوظيف هذه التقنية بتحسين قدرات اللاعبين على التحكم بالكرة وضبط سرعة تمريراتهم.كرة صديقة للمشجعين.

خلاف تاريخي

على الرغم من الانتشار الكبير للذكاء الاصطناعي وتطور أبحاثه حالياً، فإن هناك الكثير من الجدل حول موعد ظهوره، إذ يتم تداول عدد من المقولات بشأن رائد النظرية الوليدة والتي تسود الآن عالمنا بشكل واضح.

وتتنازع حقول معرفية عدة أحقية تأسيس المصطلح الجديد، فينسب الفلاسفة تبلور نظرية الذكاء الاصطناعي إلى مقولة خالدة للفيلسوف الفرنسي بول فاليري، والذي قال في دفاتره الشهيرة مطلع القرن الـ20 إن «كل إنسان في طور التحول ليصبح آلة، لا، بل الأصح هو أن الآلة هي بصدد تطورها لتتحول إلى إنسان».

من جهتهم، يرى مشتغلون بحقل علم النفس أن الذكاء الاصطناعي لم يكن سوى تكامل طبيعي لنظريات روادهم حول السلوك البشري وإمكانية محاكاته، وهي أفكار جدلية طالما أثارت الكثير من ردود الأفعال بشأنها.

المجال الثالث، وهو المتصدر حالياً مباحث الذكاء الاصطناعي، ألا وهو مجال الرياضيات، إذ تقوم معظم البرامج الذكية على أنظمة خوارزمية معقدة، ما حصر حديث البدايات عن الذكاء الاصطناعي لدى علماء الرياضيات.

فمن البروفيسور البريطاني آلان تورينغ المعروف بـ«أب علوم الكمبيوتر»، وحديثه المستمر عن الذكاء في 1955 عبر اختراعه لما اصطلح عليه بلعبة التزييف، وختاماً بجون مكارثي، الذي نشر مصلح الذكاء الاصطناعي نهاية 1955، قبل أن يستعرضه رفقة زملائه مارفن مينسكاي وألين نويل وهربرت سيمون، في مؤتمر علمي بكلية دارتموث البريطانية في صيف 1956، ومنذ تلك اللحظة بدأ الذكاء الاصطناعي في أخذ مكانه نحو الريادة.

وكانت ذروة الاهتمام بأبحاث الذكاء الاصطناعي في 1997، وتحديداً عندما فاز نظام ديب بلو التابع لشركة «أي بي أم» الأمريكية للكمبيوتر في لعبة الشطرنج على غاري كاسباروف أشهر اللاعبين في العالم، لتلفت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأنظار وتبدأ مسيرة الزحف على المجالات كافة.

اجتياح الرياضة

مثل بقية المجالات الأخرى، شهدت الرياضة بأنواعها المختلفة انفتاحاً كبيراً على الذكاء الاصطناعي، إذ استعانت بالكثير من التقنيات لتحقيق أهداف وغايات.

ولا يكاد موسم يمر حتى يطالع المشجع الرياضي حزمة قرارات باعتماد تقنيات جديدة من قبل القائمين على أمر تلك الألعاب، وهي قرارات أحياناً تجد ترحيباً وأحايين أخرى الكثير من الانتقادات.

وقبل الدخول في الجدل والانتقادات، تسلط المساحة التالية الضوء على أبرز التقنيات الذكية التي تم استخدامها في الرياضات، غير كرة القدم التي ستنال بدورها تركيزاً خاصاً.

وفي هذا السياق، يبدو من الصعب الإلمام بكافة التقنيات التي ولجت عالم الرياضة، وهي صعوبة تضاهي تلك التي تتولد عند التفريق بين التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهل تنضوي جميع التقنيات تحت معطف الذكاء الاصطناعي، أم يجب اعتبار أن تبني التقنية العادية هو خطوة أساسية للوصول إلى مرحلة توظيف الذكاء الاصطناعي؟



«فار» الكريكت

سبقت لعبة الكريكت نظيرتها كرة القدم في الاستعانة بتقنية تساعد الحكم في مراجعة قرارته، إذ تعتمد الكريكت نظام مراجعة قرارات الحكم «يو دي آر أس» منذ 2017، لكن بنطاق تدخل أقل من الذي تتمتع به تقنية الحكم المساعد (فار) في كرة القدم، إذ يكتفي نظام مراجعة قرارات الحكم في الكريكت بتنبيه سريع للحكم، عبر تتبع مشوار الكرة وتجاوزها الخطوط.

ولا تصنف هذه التقنية من الذكاء الاصطناعي، لكن وجود حكم ينظر إلى شاشة كمبيوتر، ويحلل تصرفات متوقعة، يجعل العلماء يتوقعون تحولها قريباً إلى عصر التفكير الآلي، فيكون الحكم المساعد بالفيديو عبارة عن كمبيوتر.

«بي آي كيو» الملاكمة

على الرغم من قلة الحديث عن تأثير الذكاء الاصطناعي في حلبات الملاكمة، فإن شركة بي آي كيو الفرنسية الناشئة للروبوتات كانت حريصة على إقحامه في مجال الفن النبيل، إذ أنتجت أخيراً جهازاً صغيراً ذكياً أطلق عليه «بي آي كيو» يعمل بنظام «غايا» الذكي من أجل تتبع حركات وإيماءات الملاكمين، وتحليلها فيما بعد، بغرض المساعدة في التدريب وأيضاً توقعات الفائزين بالذكاء الاصطناعي.

ويمكن أن يستخدم الجهاز ذاته في لعبتي الغولف والسلة، حسب ما تؤكد الشركة الفرنسية في موقعها الإلكتروني.

«بوينتستريم» في التنس



كان التنس وعبر بطولة ويمبلدون المفتوحة في 2011 على موعد مع أول تقنية ذكية، وتعرف بـ«بوينتستريم» أنتجتها شركة أي بي أم الأمريكية، ويتلخص دورها في تحديد نمط اللعب للاعب في كل مجموعة، قبل تحليلها والتنبؤ بفرص كل لاعب أو لاعبة في الفوز على الخصم الآخر.

كرة القدم.. بين الاستفادة والانتقادات

من بين جميع الرياضات، وعلى الرغم من انفتاحها على الذكاء الاصطناعي في الفترة الأخيرة، لكن تفاعل كرة القدم مع تلك البرامج كان أكبر عما سواها من الألعاب الأخرى، وذلك لكثرة التقنيات المستخدمة في مجال الساحرة المستديرة.

ولم ينحصر التعاون بين كرة القدم والذكاء الاصطناعي في التقنيات الموظفة لخدمة الرياضة بشكل عام، وإنما اتجهت الساحرة المستديرة إلى الاستعانة بالذكاء في مجال التدريب الفردي وصقل المهارات، وهو محور الحلقة المقبلة. ونستعرض هنا أبرز تقنيات الذكاء الاصطناعي التي استعانت بها كرة القدم في نهائيات كأس العالم 2018 في روسيا، باعتباره أكبر حدث كروي في العالم.

تقنية حكم الفيديو المساعد (فار)



شهد مونديال روسيا الأخير الاعتماد رسمياً لتقنية حكم الفيديو المساعد (فار)، وهي تقنية تتيح لحكم مساعد ومساعديه مراجعة قرارات حكم الوسط عبر مجموعة من اللقطات توفرها له كاميرات خاصة، قبل التواصل مع الحكم وتأييد أو رفض قراره.

وكان أول قرار لـ«فار» في الـ16 من يونيو 2018 خلال مباراة فرنسا وأستراليا في دور المجموعات، وذلك عندما استعان حكم الوسط أندريس كونها بالتقنية، للفصل في قرار اتخذه وحرم فرنسا من ركلة جزاء، قبل أن يصحح فار القرار. ولا تعتبر تقنية «فار» من تطبيقات الذكاء الاصطناعي عموماً، لكن يعتبر كثيرون تطبيقها خطوة أولى في طريق توظيف الذكاء الاصطناعي لمساعدة حكم الساحة في مختلف القرارات.

تقنية خط المرمى

بعد الكثير من الجدل المثار حول عدم احتساب الحكام لأهداف بحجة عدم تجاوز الكرة كاملة لخط المرمى، نجحت شركات في ابتكار تقنية خط المرمى، قبل أن يجيزها مجلس الاتحاد الدولي القدم (إيفاب) في 2012، وتتم الاستعانة بها رسمياً في منافسات المونديال الأخير وقبله يورو 2016 في فرنسا.

وتستخدم التقنية كاميرات عين الصقر شديدة الدقة لتحديد عبور الكرة خط المرمى، ثم يتم تنبيه الحكم بصحة الهدف.

وأخيراً، نجحت شركة كايروس الألمانية للتكنولوجيا بالتعاون مع شركة أديداس في ابتكار ما اصطلح عليه بـ«نظام حسم الهدف»، وهو عبارة عن كرة قدم بداخلها جهاز ذكي موصول بسماعة حكم الوسط، ويرسل ذلك الجهاز صافرة للحكم عبر سماعة الأذن أو اهتزاز عبر الساعة الذكية بمجرد عبور الكرة خط المرمى.