الاثنين - 27 مايو 2024
الاثنين - 27 مايو 2024

سفير أرمينيا في الإمارات لـ «الرؤية»: يوماً ما سيعترف العالم بالمجزرة العثمانية

أكد سفير جمهورية أرمينيا في الإمارات أنه سيأتي يوم ويعترف العالم أجمع بالمجزرة التي ارتكبتها السلطات العثمانية بحق الأرمن عام 1915 وخلفت مليوناً ونصف المليون شهيد، وتحيي أرمينيا ذكرى أرواح ضحاياها في 24 أبريل من كل عام، كتحية احترام لمن قضى نحبه دون ذنب وتأكيد على حقها في انتزاع اعتراف مرتكبها بذنبه.

وأكد السفير أنه رغم الصراع الذي طال أمده، تمد أرمينيا يدها بالحوار السياسي والانفتاح على الآخر بلا قيود أو شروط ولكن من دون التخلي عن حقها، لتقف تركيا على الضفة المقابلة مكتوفة الأيدي ترفض التسوية وتجاهر بالإنكار كما يراها جيرانها الأرمن.

حاورت «الرؤية» السفير فوق العادة والمفوض لجمهورية أرمينيا في دولة الإمارات العربية المتحدة مهير مكرتوميان في مقر السفارة بأبوظبي، ليبين تطورات الدبلوماسية السياسية بين أرمينيا والإمارات، كما العلاقات التركية والنزاع مع أذربيجان، مسلطاً الضوء على ذكرى مذبحة الأرمن وموقف تركيا بشكل خاص، والعالم بشكل عام منها.


يبلغ عدد المقيمين من الجالية الأرمنية في دولة الإمارات نحو 7000 شخص، شيدت لهم الكنيسة الأرمنية في الشارقة وكنيسة شهداء الأرمن في أبوظبي.


ويعتزم السفير دراسة مشروع افتتاح مركز للدراسات الأرمنية في الإمارات تتيح لأبناء الجالية والمهتمين تعلم اللغة الأرمنية والتاريخ كما تبادل البحوث العلمية وغيرها، لافتاً إلى أن أفضل طريقة لتأسيس المركز هي التأكد من وجود الكفاءات المستعدة والمناسبة، مستشهداً بمثل أرمني شهير يقول «إذا وجدت الفكرة.. يجب أن نمنحها الدم واللحم لتنفيذها».

وتالياً نص الحوار:

- 22 عاماً من العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وأرمينيا.. كيف تقيمون التعاون بين البلدين اليوم؟

الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى انبثق عنها توقيع نحو 30 وثيقة واتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين، كما تعتزم اللجنة المشتركة عقد الجلسة الأولى لنقاش كافة مجالات التعاون قريباً في أرمينيا، باعتبارها الآلية الأنسب لتنفيذ الاتفاقيات وتعزيز التعاون بين البلدين.

- بحديثنا عن العلاقات الإماراتية ـ الأرمنية.. كيف ترون وضع الجالية الأرمينية في الإمارات؟

الأرمن موجودون في الإمارات منذ أواخر الخمسينات قبل الاتحاد، حتى أصبحوا جزءاً من نسيج المجتمع، وتم ذكرهم في الصفحات الأولى من إصدار «كتاب التسامح»، الذي يعدد الجاليات الموجودة في الإمارات.

وعن الوضع الاجتماعي للشعب الأرمني، لا أستطيع أن أصفه بأقل من الممتاز، وهذه ليست مجاملة، فهم يسهمون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الإمارات بشكل كبير ونحن بدورنا نثمن ونقدر معاملة الإمارات للجالياتنا الموجودة على أراضي الدولة.

- ماهي خططكم لتفعيل التعاون مع المؤسسات الإماراتية داخل الدولة؟

نعتزم تفعيل المشاركة بين البلدين ثقافياً وعلمياً، ونحرص على المشاركة بالفعاليات المختلفة، والتي كان آخرها افتتاح معرض «آيديكس» بمشاركة الفرقة الموسيقية الأرمينية التي عرفت الجمهور إلى أرمينيا، إلى جانب عرض خاص لفرقة الأوركسترا السيمفونية الأرمنية في أوبرا دبي، وكلي ثقة بأن تفعيل العلاقات سيتم بشكل أوسع في إطار أعمال اللجنة المشتركة.

- كيف وجدت أرمينيا إعلان الإمارات 2019 عاماً للتسامح لتعزيز القيم الإنسانية؟

التسامح في الإمارات ليس وليد اليوم بل له جذور عميقة ويتجسد في تعايش أكثر من 200 جنسية في مكان واحد، عام التسامح، عبارة قوية تحمل أسمى معاني التضامن مع شعوب العالم، وهو ما تلمسناه في الزيارة المؤثرة لبابا الفاتكان فرانسيس، ويلهمني قول مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ طيب الله ثراه - في أن عدم التسامح يعني عدم التضامن ولن يكون هناك تسامح إلا بتضامن متكامل، وكلي أمل أن تحتذي دول العالم بالإمارات التي تحترم الثقافات وتؤمن بالتعايش السلمي كعائلة.

- 24 أبريل، بين ذكرى دامية ومطالب صامدة .. حدثنا عن هذا اليوم؟

24 أبريل ليس يوماً عادياً في تقويم الشعب الأرميني، بل أصبح بمثابة يوم مقدس يتوجه فيه الأرمن إلى النصب التذكاري المخصص في أرمينيا لشهداء المجزرة المؤسفة التي خططتها ونفذتها السلطات التركية العثمانية عام 1915 بحق الشعب الأرمني، وذلك ليس فقط لنتذكر بل لنتقدم أمام العالم بمطلب الاعتراف بالمجزرة.

وفي كل عام يخرج المتعاطفون مع ضحايا المجزرة حول العالم في مختلف المدن إلى الشوارع لتقديم احترامهم لهؤلاء الشهداء، ونحن نتابع حق الشعب الأرمني ونطلب الاعتراف من تركيا بهذه الجريمة البشرية الكبرى التي ارتكبت في القرن الـ 20.

- هل أثلجت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة صدور الأرمن حين أقر يوم 24 يوماً لإحياء ذكرى المجزرة؟

منذ ارتكاب هذه الجريمة عام 1915، تابعت أرمينيا مطالباتها بالاعتراف بالمجزرة بعد استقلالها واعترفت بها فرنسا، وتصريحات ماكرون نجدها عبارة قوية للتسامح والتعاطف ليس فقط تجاه الشعب الأرمني بل للبشر في العالم أجمع، منعاً لتكرار وقوع مثل هذه الجرائم البشرية البشعة مرة أخرى.

- كم عدد الدول والجهات التي اعترفت بالمذبحة حتى اليوم؟

في حدود 40 دولة ومنظمة دولية ونحو 43 ولاية في الولايات المتحدة والعدد يزداد سنوياً، لكن الجدير بالذكر هو إظهار مجموعات من المثقفين والمفكرين الأتراك في إسطنبول وأنقرة لتضامنهم وتعاطفهم مع الأرمن بخروجهم في مسيرات يوم ذكرى الإبادة، ونلفت النظر إلى أن قبل عام كان من غير الوارد أبداً أن يعلن أي تركي تعاطفه مع الأرمن، إلا أنهم اليوم موجودون وأعدادهم في ازدياد كل عام.

- هل هذا يعني أن الشعب التركي يعترف بهذه المجازر؟

أكيد.. نحن لا نتهم الشعب التركي بإبادة الأرمن، نحن نتهم السلطة آنذاك أيام القيصيرية العثمانية بارتكاب المجزرة، ونتهم من ينكر هذا الواقع، والواقع تنكره السلطات فقط، حتى في مواقع التواصل الاجتماعي هناك مقاطع مصورة لمواطنين أتراك يظهرون تسامحهم وتعاطفهم مع الأرمن في العديد من المدن التركية، وأنا متأكد أن اليوم في ذكرى المذبحة ستكون هناك أعداد متزايدة منهم في الشوارع التركية.

- هل يستطيع الجيل الشاب إثبات الحق وتحصيل الاعتراف التركي بعد كل هذه السنوات؟

يوماً ما تركيا ستعترف بإبادتها للأرمن، وكما قلت سابقاً، قبل 20 عاماً كان من الغريب أن يتحدث أحد عن الإبادة، واليوم عدد المؤمنين بقضيتنا في ازدياد.

والحقيقة أن الجيل الجديد من الشباب لا ذنب له في مسلك القادة أو الرؤساء الذين قادوا شعوبهم بطريقة خطأ، لكن يفترض بهذا الجيل مواجهة التاريخ للتخلص من هذه الضغوطات، وتركيا اليوم تحت ضغوطات تاريخية، وعلى الأتراك مواجهة تاريخهم للتطلع نحو المستقبل كما تفعل كثير من الدول.

- بعد الإعلان الفرنسي الأخير، صرح وزير الشؤون الخارجية التركية مولود شاويش أوغلو بأنه لا وجود لوثيقة تاريخية تستند إليها هذه المذابح، كيف ترد أرمينيا على الإنكار التركي؟.

الواقع لا يحتاج إلى وثيقة، عدد الأرمن في جمهورية أرمينيا يصل إلى ثلاثة ملايين نسمة ويوجد خارج الدولة أكثر من عشرة ملايين أرميني، إن أردنا التحدث عن الوثيقة كما يقول شاويش أوغلو، فليست هناك جريمة تكتب فيها وثيقة مسبقاً أنها سترتكب، لكن لو أرادت السلطات التركية البحث عن الوثيقة، فلتترقب اليوم «24 أبريل» الشعوب في مختلف دول العالم ومنها تركيا وهم في الشوارع يقدمون تسامحهم وتعاطفهم مع الأرمن، وهذا بحد ذاته يعتبر وثيقة.

وللعلم، نحن في أرمينيا ليست لنا القدرة على التأثير في الشعوب المختلفة، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة لنجبرهم على الخروج إلى الشوارع وإظهار التعاطف، إلا أن كل مفكر، باحث ومثقف يعرف جيداً أن ما نطالب به هو حق وواقع، كما أن الوثائق التي يبحث عنها الأتراك موجودة في كثير من دول الجوار، إن بحثوا عنها فسيجدونها، لكن عموماً الواقع الذي نحن نراه لا يحتاج إلى أي نوع من الوثائق التي يتحدثون عنها.

- قصص الناجين والأجداد، هل يتم تقديمها كشواهد؟

الآلاف تحدثوا عن الوقائع التي حدثت آنذاك، وهم شهود عيان وهذا بحد ذاته وثيقة، ولكل عائلة أرمنية شهيد فقدته في المجزرة وإن طلب منهم إثبات على أن الجريمة وقعت فهذا يعد عدم احترام للشهداء الذين قضوا في هذه الإبادة، وأرمينيا شيدت متحفاً وثقت فيه كل القصص مع أرشيف متكامل ونسخ من المؤلفات التي بحثت في الواقعة، إلى جانب ما نقله سفراء الدول الأجنبية لبلادهم عما كان يحصل في تلك الفترة.

- تبرئة ألمانيا للطالب الأرمني سوغومون تهليريان بعد قتل طلعت باشا أحد المسؤولين المباشرين عن الإبادة بسبب الصدمة النفسية التي عانى منها لهول ما حصل خلال المذبحة وفقدانه للعديد من أفراد عائلته، ألا يعد أحد الوثائق؟

محاكمة تهليريان استمرت يومين، وصدر الحكم بأنه غير مذنب وصرّح حينها بأنه قتل لكنه ليس بمجرم، إذ فقد نحو 25 شخصاً من أفراد عائلته، فلم يستطع أن يظل مكتوف الأيدي، كثير من الأرمن أرادوا الانتقام حينها إلا أنهم لم يكونوا قادرين على ذلك.

بعض الدول تقول إن الأرمن غير متسامحين ويقتلون المسلمين، لكن الحقيقة أن تواجد الأرمن في البلدان العربية المسلمة أكبر دليل على أن الشعب الأرمني متسامح ويؤمن بحوار الأديان والثقافات، ثم أن الأرمن يعتبرون أنفسهم جزءاً من نسيج المجتمع الذي يعيشون فيه بالدرجة الأولى ثم قوميتهم كأرمن في الدرجة الثانية.

- ألا توجد مطالبات من قبلكم باعتراف الدول العربية الصريح بأحداث المجزرة؟

بعض الأحيان الأفعال أقوى من الكلمات، أثناء زيارات الوفود الرسمية لأرمينيا، من البلدان العربية خصوصاً، يزورون النصب التذكاري لشهداء الأرمن أولاً، وآخر زيارة كانت من قبل سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي قبل عامين، ونحن نعتبر هذه الزيارة تسامحاً وتعاطفاً تجاه قضية الأرمن وهذا مهم جداً بالنسبة لنا، أما بالنسبة للاعتراف الرسمي، فيوماً ما كل العالم سيعترف بها.

والحقيقة أن أكثر ما يهمنا مستوى العلاقات بيننا وبين الآخرين، والمطالبة بالاعتراف يفترض أن تتم في الوقت الأنسب، والاعتراف سيأتي مع الوقت، أن نلمس التسامح والتعاطف بالفعل بالنسبة لنا أقوى من الاعتراف بالكلمة.

- منذ فترة أعلنت أرمينيا استعدادها لفتح العلاقات مع تركيا دون شروط كمبادرة .. كيف تصفون العلاقات مع تركيا؟

منذ استقلال الجمهورية الأرمنية كنا مستعدين لفتح العلاقات الدبلوماسية دون قيود أو شروط، ثم في عام 2009 كانت هناك مبادرة من قبل رئيس الجمهورية وكان من المفترض أن يوقع الرئيس التركي آنذاك عبدالله غول محضرين لتفعيل العلاقات بين الطرفين، إلا أن التغيير السياسي داخل تركيا بعد تولي الرئيس رجب طيب أردوغان الحكم عطّل ذلك، إذ رفض المحاضر وإقامة علاقات دبلوماسية.

وأذكر أن دولة الإمارات أعربت عن تأييدها ودعمها للمبادرة الأرمنية لإقامة علاقات دبلوماسية مع تركيا ما يسهم في دعم الاستقرار والأمن في المنطقة، لكن تركيا غير مستعدة حالياً للعلاقات مع أرمينيا بدون شروط، يصرحون بأنهم مستعدون لكن في اللحظات الأخيرة يحاولون فرض الشروط، ونحن من جانبنا مستعدون للمبادرة بلا شروط أو قيود وبدون أن ننسى حق الاعتراف بالمذبحة.

- ما الشروط التي تعوق هذه الاتفاقية؟

من شروط الأتراك على الأرمن، تسوية نزاع أرمينيا مع أذربيجان لصالح الأخيرة، إذ يربطون علاقتهم مع أرمينيا بدولة ثالثة، وهذا هو موقفهم وسياستهم إلا أننا لا يمكننا تأسيس علاقات دبلوماسية من جانبنا بالارتباط مع دولة ثالثة، اليوم أذربيجان غداً لا نعلم أي دولة ستتدخل في الشروط، ما نبادر به نحن هو فتح علاقات مباشرة وأثناء زياراتنا الدبلوماسية يمكن أن نناقش الأمور ونصحح المشاكل، لكن أن نضع في اتفاقية التعاون بنوداً بشكل مسبق لا يمكننا مناقشتها، فهذا غير مقبول، إن كانوا يريدون فتح الحدود والتواصل فنحن مستعدون.

- ما مصير النزاع والعلاقات المتوترة مع أذربيجان؟

سبب النزاع هو منطقة «قره باغ»، لا أريد التعمق في الموضوع، لكن أهم ما نريده هو حق الشعب في تقرير مصيره، بأي طريقه يرونها مناسبة، إذ كل ما نطالب به هو أمن واستقرار الشعب الأرمني في المنطقة الذي عاش فيها لآلاف السنين، لكن أذربيجان تريد أن يكون لها حكم ذاتي داخل الأرض، وذلك يهدد مصير الأرمن في المنطقة الذين يعانون من ضغوطات سياسية، نريد تسوية سلمية من منطلق الحوار السياسي واحترام حق الشعب بأن يقرر مصيره.

- هل تردكم تقارير حول وضع الأرمن في سوريا؟

من المؤسف أن نرى الضرر الذي أصاب الشعب السوري ومنهم الأرمن، بلغ عدد الذين وصلوا أرمينيا نحو 20 ألف شخص مستقرين وسيواصلون إقامتهم في أرمينيا، كما أن سفارتنا في دمشق والقنصلية العامة في حلب لم تغلقا حتى اليوم وأرسلنا مساعدات إلى السوريين كشعب وليس للأرمن فقط، ويوجد حالياً بعثة إنسانية أرمينية في سوريا.