الأربعاء - 17 يوليو 2024
الأربعاء - 17 يوليو 2024

عودة «الزيني بركات»

العلاقة بين الأدب والسياسة أعمق مما يظن كثيرون، أحياناً يكون الأدب أكثر قدرة على سبر أغوار السياسة، والغوص في أعماقها، والتنبؤ بتطوراتها من الدراسات السياسية الأكاديمية التي يقوم بها المتخصصون في علم السياسة، فرواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل» تنبأت بدرجة كبيرة بهزيمة 1967، رغم أنها كتبت قبل الحرب بأكثر من عام، إذ رصد التحولات الكبرى في المجتمع المصري، هذه التحولات كانت تنبئ - بلا شك - بأن هذا المجتمع يستحيل أن يواجه تحدياً وجودياً مثل الذي مثله الكيان الصهيوني.

والمبدع الكبير جمال الغيطاني رحمة الله عليه قدم أعمالاً من هذا النوع العميق في التحليل السياسي؛ من حيث تشريح الظاهرة السياسية بصورة غاية في العمق والبراعة، ولعل روايته «حكايات المؤسسة» تقدم درساً سياسياً في آليات وخفايا عمل جهاز الدولة البيروقراطية العميقة.

وكذلك روايته «الزيني بركات»، والتي تم تحويلها إلى مسلسل درامي رائع وعميق في نهاية القرن الماضي، حيث نجد فيها التوصيف الكامل لكل ما تقوم به تركيا في العالم العربي اليوم من سوريا والعراق والصومال؛ إلى فلسطين وأخيراً ليبيا، ومن يقرأ الزيني بركات أو يشاهده فسيرى أنه يعيش بيننا ولم يمت في بداية القرن السادس عشر الميلادي، سيرى كم تم استنساخ الزيني بركات في كل دولة نسخاً متعددة متنوعة متكاثرة.

والزيني بركات هو من تولى وظيفة المحتسب في أواخر دولة المماليك، وقبل سقوطها على يد السلطان سليم الأول الذي كان يعرف بالتركية باسم: «غازى ياوز سلطان سليم خان أول»، وكلمة «ياوز» تعني بالتركية قاسي القلب، والمتوحش، والمفترس، والمحتسب وظيفة تعادل في عصرنا هذا عدة وزارات وهيئات منها: الشرطة الاجتماعية والاقتصادية والرقابة على الأسواق، والضرائب، والجودة، والمكاييل والموازين، والشؤون الصحية، والآداب العامة، والضرائب.. إلخ.

وقد تم زرع الزيني بركات بطريقة غاية في المهارة في جهاز الدولة المصرية، استطاع من خلالها أن يتحكم في أطرافها، وأن يثير فيها الفتن، وأن يفكك النخبة، وأن يقنع السلطان قنصوه الغوري بمصادرة ثروات الأمراء المماليك؛ ويقنعه بحمل كل ذهب مصر معه أثناء ذهابه للمعركة مع سليم الأول شمال حلب، وحين هزم سقطت مصر في يد سليم الأول، وحصل على خزائنها قبل أن يدخلها.

وإذا نظرنا لجميع الدول التي تمتد إليها أذرع تركيا أردوغان، سنجد فإن هناك نسخاً من الزيني بركات في مجلس الدولة الليبية، وفي البرلمان التونسي، وفي قيادة حماس، وكان في قمة الدولة المصرية، وفي كل أوصال المعارضة السورية.