الاثنين - 02 أغسطس 2021
الاثنين - 02 أغسطس 2021

القضاء التجاري الدولي.. أنموذج سنغافورة

د.عماد الدين حسين
كاتب وخبير قانوني دولي في تسوية المنازعات بالطرق البديلة، زميل معهد المحكمين البريطاني ووسيط معتمد في مركز تسوية المنازعات بلندن، محكم تجاري دولي ومستشار ومدرب دولي في مجالات التفاوض والوساطة والتحكيم.
في سباق الدول نحو تنافسية وفاعلية وسائل تسوية المنازعات التجارية، أضحت المعادلة ما بعد الجائحة: قل لي كم تملك من المرونة والسرعة والمنصات الرقمية، والمواءمة والاستجابة الاستباقية لاحتياجات وتوقعات أطراف المنازعات التجارية، لأخبرك أين مكانك ضمن مقاعد الصف الأول لمَقرَّات تسوية المنازعات التجارية.

شاركتُ مؤخراً في ندوة نقاشية عمَّا تقدمه المحكمة التجارية الدولية السنغافورية SICC من خدمات عدلية لتسوية المنازعات التجارية، وتوقفت متأملاً التفكير الإبداعي الخلاق لهذا النمر الآسيوي في استشراف الاحتياجات، وتجاوز التوقعات، وتعزيز استدامة المكانة الدولية لسنغافورة، ما يستحق الرصد والتحليل والتعلم.. لقد شيَّدت سنغافورة منظومة محكمتها التجارية الدولية في 2015، وتبعتها الصين في عام 2018، ويستمد الأنموذج السنغافوري في القضاء التجاري الدولي التفرد والاستباقية بتكامل ثلاث ممكنات رئيسية، تشكل معاً عمادها في التنافسية، هي:

أولاً: تنوع جنسية القضاة وخلفيتهم القانونية بين القانون العام والمدني، فالسمة الرئيسية للمحكمة هي إشراك قضاة دوليين من 16 دولة، وهو مزيج فريد لتعزيز موثوقية الأحكام التي تصدرها هذه المحكمة الاستشرافية في تشكيلها واختصاصها وآلية عملها، لهذا استقطبت منازعات لأطراف يمثلون نحو 40 جنسية.

ثانياً: استلهام المُشرِّع السنغافوري لمحكمة متعددة الاختصاصات، لا تفصل في القضايا التجارية المنظورة أمامها فحسب، بل تختص أيضاً بالمساندة والإشراف وتنفيذ أحكام التحكيم المحلي والدولي، وتتيح المحكمة للأطراف فرص التفاوض والوساطة قبل اللجوء للتقاضي، فأصبح اختصاصها القضائي الأصيل معاوناً ومكملاً للتسوية الودية والوساطة والتحكيم؛ فلا وساطة وتحكيم فاعلين بدون قضاء مساند وصديق لكليهما؛ لهذا تصدرت سنغافورة قائمة أفضل مقرات التحكيم عالمياً حسب التقرير الصادر في مايو الماضي من QMUL، ونالت وسام أول دولة تطلق الأمم المتحدة اسمها على اتفاقية دولية، فغدت عنواناً لأفضل ممارسات الوساطة.

ثالثاً: سرعة ودقة ونهائية الأحكام، وتنافسية الكلفة والموثوقية، ستُحفز ممولي المنازعات (Third Party Funding) للعمل مع المتنازعين أمام المحكمة، حيث أدرك المُشرِّع السنغافوري ضرورة شراكة ممولي المنازعات، ما بعد الجائحة، فأقرَّ تمويل المنازعات من طرف ثالث اعتباراً من الشهر الماضي، لتكون أول محكمة تجارية دولية تقرُّ هذا النظام التمويلي.

ختاماً.. يجب الإشادة بأنه كلما بادر المجتمع الدولي بتعزيز منظومة تسوية المنازعات، يجد الاستباقية السنغافورية حاضرةً وساطة وتحكيماً وقضاءً بتكاملية عملية ودعم حكومي، حتى أضحت أنموذجاً مُلهماً للطامحين نحو الجدارة في صدارة تسوية المنازعات التجارية بفاعلية وجدية.
#بلا_حدود