السبت - 03 ديسمبر 2022
السبت - 03 ديسمبر 2022

في ظل منافسة صينية - أمريكية - أوروبية.. مشروعات عملاقة تنتظر أفريقيا

في ظل منافسة صينية - أمريكية - أوروبية.. مشروعات عملاقة تنتظر أفريقيا

(رويترز)

تستعد القارة الأفريقية، لتعامل جديد وبرؤية مختلفة، تعمل عليها وبشكل منفصل، كل من: واشنطن وباريس، وبكين، وتهدف جميعها إلى تعميق الشراكة والتعاون، مع الدول الأفريقية، سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

فبعد انعقاد المنتدى الصيني - الأفريقي، الذي شارك فيه الرئيس الصيني شين جين بينغ، وعدد من القادة الأفارقة يومَي 29 -30 نوفمبر الماضي، يستعد الرئيس الأمريكي جو بايدن لاستضافة قمة أمريكية، مع قادة الدول الأفريقية، لم يتحدد موعدها بعد، بهدف العودة مرة أخرى إلى أفريقيا، التي تأثرت علاقاتها سلباً مع واشنطن، بسبب تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

يتزامن كل ذلك، مع وضع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التعاون بين القارة الأفريقية والاتحاد الأوروبي، في مقدمة أجندة الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي، والتي تبدأ في الأول من يناير 2022 حتى 30 يونيو القادم.

ومن المقرر أن تلتئم القمة الأفريقية - الأوروبية يومَي 17 - 18 فبراير القادم في العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث يسعى الرئيس الفرنسي إلى أن يصبغ العلاقة الأمنية مع دول الساحل والصحراء في أفريقيا، بالطابع الأوروبي، كما ينوي طرح عقد اقتصادي ومالي جديد مع أفريقيا، وأن تنتهج أفريقيا وأوروبا استراتيجية مشتركة، وتطبيق أجندة داعمة لأفريقيا في التعليم والصحة والمناخ.

ولا يقتصر الأمر على أوروبا والصين والولايات المتحدة، فلا يمكن تجاهل أفكار ومشروعات أخرى مطروحة على الأفارقة، منها على سبيل المثال زيادة رقعة وتنامي التعاون الروسي - الأفريقي، الذي بات يقلق الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة في جوانبه الأمنية، الأمر الذي دفع ألمانيا وفرنسا، للتحذير أكثر من مرة، من التعاون مع شركات الأمن الخاصة الروسية، بل والحديث علانية، عن الانسحاب من قوات الأمم المتحدة في مالي إذا وقعت الحكومة المالية أو غيرها من الحكومات الأفريقية، اتفاقات أمنية أو شراء أسلحة روسية.

فما هي جوهر وأهداف كل تلك المشروعات التي يعرضها الجميع على الشعوب الأفريقية؟ وهل تؤسس كل تلك الرؤى لمستقبل أفضل للأفارقة؟

واقع القارة السمراء

رغم كل تلك العروض، فإن أفريقيا هي أقل القارات في تلقي اللقاحات التي تقي من جائحة كورونا، حتى بداية سبتمبر الماضي، لم تصل معدلات الحصول على اللقاح إلى 10% من سكان القارة التي يسكنها 1.2 مليار نسمة، وفق إحصاءات 2016.

كما قالت منظمة الصحة العالمية إن 42 دولة أفريقية من أصل 54 دولة، ربما لن تستطيع الوصول إلى المعدل المطلوب لتلقيح الفئات العمرية التي تعاني من أمراض مزمنة، والتي تحتاج إلى التطعيم. وأضافت أن 5 دول فقط من القارة، ستتمكن من الوصول إلى نسبة 40% من تطعيم سكانها بحلول نهاية العام الجاري، وسيحصل مواطن واحد فقط، من كل 15 أفريقياً، على جرعتَي اللقاحات، بنهاية شهر ديسمبر الحالي، مقابل حصول 70% من مواطني الدول الصناعية السبع الكبرى، على الجرعات الكاملة قبل 31 ديسمبر الجاري.

لا يكشف هذا فقط الفجوة الهائلة بين أفريقيا والعالم في المجال الصحي وتلقي التطعيمات، بل يشكل أيضاً خطورة على أفريقيا والعالم بأسره، في ظل الحديث عن أن جنوب أفريقيا كانت هي منشأ السلالة «أوميكرون» الأحدث من كوفيد-19.

ورغم أن أفريقيا لا يصدر عنها إلا 4% فقط من الانبعاثات الكربونية، فإنها ما تزال تدفع الثمن الباهظ لارتفاع حرارة الأرض، من خلال زيادة نسب التصحر والجفاف والسيول، وتراجع معدلات إنتاج الغذاء، بحسب ما قاله عدد من الوزراء الأفارقة، ولهذا يجب أن تحصل على أكبر نسبة من الـ100 مليار دولار التي أقرتها اتفاقية باريس للمناخ عام 2015 من أجل مساعدتها على التحول للاقتصاد الأخضر.

وأدت جائحة كورونا، والتغيرات المناخية، وتدني مستوى التنمية، إلى زيادة قياسية في أعداد الفقراء، والفقراء المدقعين. وأصبحت أفريقيا تضم 60% من الفقراء المدقعين في العالم، كما أن هذه النسبة مرشحة للزيادة، لتصل إلى 90% عام 2030، رغم أن أفريقيا لم يكن بها إلا 25% فقط من فقراء العالم المدقعين عام 1990.

وفي خضم كل ذلك، أكدت الأمم المتحدة أن أكثر من 80 مليار دولار يتم تهريبها إلى خارج القارة سنوياً، ضمن أنشطة غير مشروعة، مثل التهريب والجريمة.

إسكات البنادق

ويفاقم من هذه الأزمات سلسلة من الأسباب الأخرى في مقدمتها الصراعات الداخلية، كما هي الحال في إثيوبيا، لكن أكثر الأسباب التي تقلق المجتمع الدولي، هو انتشار الإرهاب في أقاليم القارة، سواء شرقاً في القرن الأفريقي، أو جنوب الصحراء، في منطقة الساحل والصحراء، أو في منطقة وسط القارة في الدول القريبة من منطقة البحيرات.

فرغم الجائحة، رصدت الأمم المتحدة زيادة قياسية في أنشطة الإرهاب، في قارة أفريقيا، وذكرت المنظمة الدولية، أن منطقة الساحل والصحراء، شهدت زيادة في عمليات القتل، في عام 2020، وصلت إلى نحو 67%، وفق بيانات نشرة مؤشر الإرهاب العالمي، الصادر عن الأمم المتحدة في نوفمبر 2020.

مغازلة أمريكية

وهناك اتفاق في العاصمة واشنطن، بأن الولايات المتحدة تجاهلت أفريقيا في آخر 15 عاماً، فالرئيس الأسبق باراك أوباما لم يزر أفريقيا إلا مرتين خلال 8 سنوات؛ الأولى عام 2009، وزار فيها دولة واحدة هي غانا، والثانية عام 2013 قادته إلى جنوب أفريقيا لحضور جنازة الزعيم نيلسون مانديلا.

كما أن القمة الأمريكية - الأفريقية الأخيرة عام 2014، فشلت لأن الإعداد لها كان ضعيفاً، وافتقرت للّقاءات الثنائية بين أوباما والقادة الأفارقة، وهذا قاد إلى أن يكون معدل التجارة في وقت القمة الأفريقية - الأمريكية نحو 100 مليار دولار فقط، في وقت كانت معاملات الصين التجارية، التي بدأت اهتمامها بأفريقيا عام 2001، قد وصلت إلى نحو 200 مليار دولار، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية.

ولم يكتفِ الرئيس الأمريكي السابق ترامب بتجاهل أفريقيا بل أهانها، ما أعطى فرصة للمشروعات المنافسة، خاصة من الصين وروسيا والهند واليابان، للتغلغل، لكن إدارة بايدن، ومن خلال الجولة التي قام بها وزير خارجيته أنتوني بلينكن، في 17 نوفمبر الماضي، وشملت 3 دول أفريقية؛ هي كينيا ونيجيريا والسنغال، تحاول اللحاق بالركب.

ووقع بلينكن سلسلة من الاتفاقات المهمة، منها اتفاقات بقيمة مليار دولار في السنغال، التي حرص فيها على توجيه النقد غير المباشر لأنشطة الصين في أفريقيا، عندما قال «إن الولايات المتحدة تقوم بالاستثمار من دون إثقال كاهل البلاد بديون لا تستطيع تحملها»، ولم تكتفِ الولايات المتحدة بذلك، بل تعهدت بتقديم مساعدات ضخمة لنيجيريا، حيث وقّع بلينكن، مع نظيره النيجيري جيفري أونياما على برنامج مساعدات للتنمية بقيمة 2.17 مليار دولار.

فاعلية صينية

لكن الصين تعد الشريك الأول للدول الأفريقية، في كافة القطاعات، وهو ما كشفته فاعليات المنتدى الصيني - الأفريقي الأخير، الذي بدأ في 29 نوفمبر الماضي، وتصدرت الصين العلاقة التجارية مع أفريقيا، لمدة 12 عاماً متتالية، بما فيها عام 2020، الذي بلغت فيه التجارة الصينية مع أفريقيا 187 مليار دولار، ومنذ بداية المنتدى الصيني الأفريقي عام 2001، استوردت الصين من أفريقيا سلعاً بقيمة 1.2 تريليون دولار، وصدّرت سلعاً بنحو 1.27 تريليون دولار، وفق وكالة شينخوا الصينية.

الثابت أن أفريقيا تواجه سلسلة من التحديات الضخمة، وتحتاج كل الأيادي الممدودة بالخير والتعاون والشراكة مع القارة. وحتى تحافظ أفريقيا على مصالحها، عليها دائماً أن تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن تنأى بنفسها بعيداً عن التنافس والصراع الدولي الدائر حالياً.