الثلاثاء - 22 سبتمبر 2020
الثلاثاء - 22 سبتمبر 2020

ثمار السلام (5-3): المعاهدة تُنهي نظرية «الحدود المفتوحة» لإسرائيل

ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم تتكشف المزايا والثمار السياسية والاقتصادية الهائلة التي حققتها ويمكن أن تحققها معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية، سواء على المدى الآني أو المتوسط، فالإمارات نجحت لأول مرة في إقناع إسرائيل بالتوقف عن نظرية «الحدود المفتوحة»، كما أن بناء مزيد من المستوطنات في الفترة القادمة سيصبح أكثر صعوبة في ظل الأجواء الإيجابية الجديدة التي تحكم المنطقة.

وشكلت أساليب الإمارات في التفاوض دليلاً ونموذجاً على القدرات الهائلة للمفاوض الإماراتي. وفي مقابل مقاربات ومبادرات تاريخية فاشلة لم تحقق شيئاً للفلسطينيين والعرب، منذ أيام مبادرة روجرز 1970 وحتى أفكار جون كيري في أبريل 2015، قدمت الإمارات طريقة 18 مقابل 18 كمسار تفاوضي جديد من «ابتكارات الإمارات» السياسية، فما هي نظرية 18 مقابل 18؟ وكيف أنهت الإمارات نظرية الحدود الإسرائيلية المفتوحة؟ ولماذا رغم كل هذه الثمار تعارض جبهة «لا» كل شيء؟

نهاية للحدود المعروفة


المعروف أن إسرائيل حتى الآن لم تودع حدودها البحرية والبرية في الأمم المتحدة، ولذلك كانت دائماً تتحدث عن «الحدود المؤقتة» أو «الحدود اللينة» وهو أمر لم يستطع الفلسطينيون أو العرب التعامل معه من قبل، وطوال تاريخها ومنذ قيامها عام 1948 لم تكن لإسرائيل حدود واضحة على الإطلاق، ولم يستطع زعيم أمريكي أو معاهدة سلام أن تجبر إسرائيل من قبل على تعيين حدودها، لكن من ينظر للمعاهدة الإماراتية الإسرائيلية يتأكد أنها أجبرت إسرائيل على وقف الضم، وهو ما يعنى أن هذه الأراضي محتلة ويمكن أن تعود للفلسطينيين وأنها ليست ضمن أملاك الدولة الإسرائيلية وليست داخل الحدود التي يمكن أن تتمسك بها إسرائيل في المستقبل، وهي إشارة بالغة الذكاء يجب على المفاوض الفلسطيني العمل بها والبناء عليها.

وكان الفلسطينيون يشتكون دائماً من أن المفاوض الإسرائيلي لا يتحدث عن حدود دولية ثابتة أو دائمة، وبذلك تكون الإمارات أنهت عملياً من خلال هذه المعاهدة المشروع التوسعي الإسرائيلي، كما أن كل المستوطنات الموجودة في الضفة الغربية خاصة في المناطق التي كان نتنياهو ينوي ضمها لإسرائيل أصبحت مشكوكاً في تبعيتها للدولة الإسرائيلية في المستقبل، وهي أيضاً إشارة جديدة لم تصدر من إسرائيل من قبل الاتفاق مع الإمارات، حيث كانت تل أبيب تعتبر كل المستوطنات شرعية وعلى أراضٍ إسرائيلية بل كانت تتحدث عما تسميه «بالامتداد الطبيعي» لهذه المستوطنات وهي الأراضي المجاورة لاكثر من 600 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية.

آليات «صنع في الإمارات»

من يدقق في تفاصيل الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي فسيرى بوضوح أنه يطرح مساراً مختلفاً للتفاوض بعيداً عن الأفكار الجاهزة والمبادرات التي صيغت دون إدراك لطبيعة الصراع في المنطقة منذ سنوات طويلة، فجميع المبادرات والأفكار التي طرحت منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة والجولان في يونيو 1967 كانت هناك مبادرات كثيرة بهدف حل الصراع بين إسرائيل وجيرانها وخاصة مع الفلسطينيين، بداية من مبادرة وليام روجرز وزير الخارجية الأمريكي عام 1970 وحتى الأفكار التي طرحها طويلاً وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري في مفاوضات فيينا 2015، ولم تنجح هذه الأفكار في حلحلة الخلافات بين إسرائيل والفلسطينيين.

لكن الإمارات جاءت بمبادرة مبدعة تقول إن دولة عربية واحدة وهي الإمارات ستقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل مقابل وقف ضم الأراضي من الضفة الغربية، والسماح لكل المسلمين من جميع أرجاء الأرض بالوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس والمسجد الأقصى.

وإذا كانت إسرائيل اليوم أصبحت لها علاقات مع أربع دول عربية هي مصر والأردن والإمارات والبحرين، تستطيع كل دولة عربية من الدول الـ18 الباقية أن تنتهج النموذج الإماراتي.

فيتو « جبهة لا»

وفق اتفاقية فيينا عام 1956 فإن من حق كل دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة أن تقيم علاقات دبلوماسية مع أي دولة أخرى وفق مصالحها ومصالح شعبها، ولا يحق لأي طرف سواء كان فلسطينياً أو عربياً أو إسلامياً أن يحتكر «حق الفيتو» لنفسه على القرارات السيادية للدول الأخرى، لكن ربما أغرب ما في جبهة «لا لكل شيء» التي تتزعمها تركيا وقطر وتنظيم الإخوان أنهم أكثر الأطراف العربية والإسلامية التي لها علاقات خاصة ومنذ زمن بعيد بإسرائيل، وشكلت هذه الأطراف وعلى مدى عقود أكبر دعم وسند سياسي واقتصادي وعسكري لإسرائيل، لكن هؤلاء لا يستطيعون أن يسلكوا المشهد العلني للدبلوماسية الإماراتية الشجاعة التي تفعل كل شيء عن قناعة وعلى ثقة كاملة بأن ما تقوم به يتفق مع مصالح شعبها مع التأكيد الإماراتي الدائم بأن أبوظبي لا ولن تتحدث باسم الفلسطينيين، وأن من يقرر في القضية الفلسطينية هم الفلسطينيون أنفسهم، وأن الإمارات التي كانت دائماً أكبر مساند وداعم للقضية الفلسطينية سوف تحافظ على ذلك.

مشروع تجاري بأرباح سياسية

لقد أزعجت معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية المتاجرين بالقضية الفلسطينية ودعاة الإرهاب والتطرف والأفكار الظلامية، لأن هؤلاء اعتبروا القضية الفلسطينية طوال السنوات الماضية بمثابة «المشروع التجاري» الذي يدر عليهم «أرباحاً سياسية» لا يمكن التفريط فيها، فالتدخلات الإقليمية سواء من إيران أو تركيا اعتمدت منهجية تقوم على ابتزاز شعوبهما أولاً، وشعوب المنطقة العربية ثانياً من خلال الادعاء الكاذب بحرصهم على القضية الفلسطينية، وهو نفس الأمر بالنسبة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان وربيبتهم قطر الذين يوهمون البسطاء بأن شاغلهم الأول هو القضية الفلسطينية، وللأسف الشديد ينخدع البعض من الفلسطينيين بهذه الدعاية.

وعندما نشرت الصحافة المصرية رسالة الرئيس المعزول «محمد مرسي» للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز يقول له فيها «عزيزي شمعون بيريز» لم يصدق المصريون أن هناك علاقة حميمية خاصة بين إسرائيل وتنظيم الإخوان الذي يتهم الآخرين ليل نهار بالتطبيع والصهيونية، كما أن علاقة إسرائيل بقطر أصبحت معروفة للجميع، وأن أول دولة خليجية تستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز على أراضيها كانت قطر التي يقدح إعلامها على مدار الساعة في أي أحد يتحدث عن السلام مع إسرائيل، ونسي هؤلاء أن المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة هو أول مكتب تجاري إسرائيلي في الخليج، أما تركيا لمن لا يعرف فهي أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل في مارس 1949، أي قبل الإمارات بـ71 عاماً، ولها اليوم 60 اتفاقية عسكرية مع تل أبيب، وحجم التجارة الإسرائيلية مع تركيا يساوي ثلاثة أضعاف كل تجارتها مع الدول العربية جميعاً.

ثمار السلام (5-1)

الحلقة الثانية (5-2)
#بلا_حدود