يوسف أبو عايد

دوي رصاص وسحب من الغاز المسيل للدموع.. ودماء تنزف في بعض الأحيان وهتافات تعلو بلغات مختلفة في مواجهة حكومات بعضها قد لا يلقي بالاً، فيما الأخرى تحاول جاهدةً إسكات تلك الأصوات ولو برصاصة غادرة تخترق الحناجر الغاضبة.. مشهد متكرر لكن بزوايا وتفاصيل مختلفة شهدتها الكثير من بلدان العالم في 2019.

من هونغ كونغ على ساحل الصين الجنوبي في قارة آسيا مروراً بالسودان والجزائر في الشرق الأوسط وأفريقيا إلى تشيلي في الجزء الغربي من قارة أمريكا الجنوبية.. شهد العالم حراكاً شعبياً لم يسبق له مثيل. خرج المتظاهرون إلى الشوارع دفعتهم مشاعر الإحباط والسأم من الفساد والتدهور الاقتصادي والنخب المترسخة في مراكز السلطة.

وفي كثير من الأحيان اتخذت بعض الاحتجاجات منعطفاً عنيفاً، حيث قتلت السلطات المئات في إيران والعراق وأماكن أخرى، وأصبحت سحب الغاز المسيل للدموع مشهداً مألوفاً في هونغ كونغ التي تنعم عادة بالسلام والاستقرار. وفيما استطاعت شعوب أن تحصد بعض الثمار لحراكها، لا تزال شعوب أخرى تناضل بحثاً عن حل غائب طال انتظاره في ظل حكومات متخبطة أو غير قادرة على استيعاب فكرة حراك الشعوب وغضب الشباب.

لعل اللافت في الأمر أن انفجار الغضب الشعبي حول العالم في 2019 يختلف إلى حد كبير عن موجة الاحتجاجات التي وقعت عام 2011 في بعض دول منطقة الشرق الأوسط والتي سميت بـ«الربيع العربي»، حيث كانت كل تلك الاحتجاجات حينذاك تلهم الأخرى، ولكن ما بدا جلياً في حراك الشعوب العام الجاري هو وجود محفز وطني خاص بكل دولة من الدول التي شهدت ثورة أو حراكاً شعبياً.

كان تدهور الوضع الاقتصادي ومحاربة الفساد والطائفية وقوداً قوياً للاحتجاجات في كل من السودان ولبنان والعراق وإيران، كما كان انعدام المساواة والمطالبة بعدم التمييز مطلباً أساسياً للتظاهرات التي اندلعت في كل من الهند وتشيلي وكولومبيا وفرنسا، بينما الدعوة إلى الديمقراطية وتغيير الأنظمة السياسية المترسخة في السلطة كانت محركاً للاحتجاجات في أماكن أخرى من بينها هونغ كونغ وبرشلونة.

أسباب وتداعيات

أخبار ذات صلة

عبدالفتاح البرهان: لا نقبل المساعدات المشروطة وعلاقتنا مع إسرائيل لم تنقطع
سقوط طائرة مقاتلة مصرية أثناء تنفيذ إحدى الأنشطة التدريبية


حول الأسباب وراء اندلاع الاحتجاجات التي شهدها العالم في 2019، أكد الدكتور أيمن سمير، المتخصص في العلاقات الدولية بمؤسسة الأهرام، أن المطالب التي انطلقت في بادئ الثورات كانت مطلبية نتيجة المعاناة الاقتصادية وتردي الأوضاع المعيشية، إلا أن هذه المعاناة نتجت عن فساد المسار السياسي للحكومات.

واستشهد على ذلك بسيطرة ميليشيات «حزب الله» على الموانئ وشركات اتصالات في لبنان، ومن ثم تفريغ العوائد في خزينة الميليشيات، وحرمان الشعب وخزينة الدولة من مورد اقتصادي مهم، كذلك الأمر بالنسبة للعراق الذي يمتلك موارد هائلة إلى جانب الدعم الأمريكي المقدم له، ومع ذلك يعاني الشعب جرّاء الفقر والبطالة وتردي الأوضاع والسبب الفساد المستشري. ولفت إلى أن الأمر نفسه يتكرر في نموذج مثل فنزويلا التي تعد واحدة من أهم دول العالم المصدرة للنفط ومع ذلك وصل التضخم فيها إلى مستويات قياسية، وقس على ذلك الوضع في تشيلي التي كانت من أكثر الدول استقراراً وتشهد الآن حركة احتجاجات لم يسبق لها مثيل.

من جهته، قال محمد حامد الباحث في العلاقات الدولية، إن رغبة الشعوب في الإصلاح السياسي والاقتصادي ومحاربة الفساد والبحث عن حقوق الانسان كانت هي المحرك الأساسي في خروج الملايين إلى الشوارع في مختلف دول العالم التي شهدت حراكاً شعبياً.

وأضاف حامد أن جميع المطالب التي نادت بها الحركات الاحتجاجية مطالب محقة ومشروعة وجميعها يسعى إلى هدف واحد هو الحياة الكريمة والحكم الرشيد.

دور الحكومات



وفيما يتعلق بدور الحكومات في التعامل مع حراك الشعوب، رأى حامد أن أغلب الحكومات في الدول التي شهدت ثورات شعبية مازالت تحكم بعقلية الستينات والسبعينات، وهي عقلية «عفى عليها الزمن» ولا تتناسب مع جيل الشباب الذي بات يدرك ما لا تدركه هذه الحكومات ويمتلك وعياً سياسياً كبيراً، لافتاً إلى أن الحكومات لم تنتبه إلى وجود «فجوة» كبيرة بين المتشبثين بالحكم منذ عقود وبين جيل الشباب الحالي الذي كان هو وقود ومحرك الثورات.

من جانبه، قال الدكتور أيمن سمير إن بعض الحكومات وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية لجأت إلى الأساليب القديمة في مواجهة احتجاجات متجددة، ومن أبرز تلك النماذج ما حدث في إيران فقد لجأ النظام الإيراني على مدى أكثر من 40 عاماً إلى استخدام أساليب القمع وقتل المتظاهرين، وهو ما حدث في الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الوقود حيث قتل أكثر من 1000 متظاهر، إضافة إلى عشرات آلاف الجرحى والمعتقلين.

ولفت سمير إلى أنه بعد قمع النظام الإيراني للاحتجاجات التي اندلعت في 2017 على سياسات الحكومة وراح ضحيتها الآلاف بين قتيل وجريح ومعتقل، عاود المتظاهرون، قبل انقضاء أقل من عامين، الكرة من جديد بوطأة أشد. ويتوقع اندلاع احتجاجات أضخم في 2020.

في المقابل، أشار سمير إلى أن هناك حكومات أخرى تعاملت إلى حد ما بشكل احترافي مع مطالب المتظاهرين، والنموذج هو تلك الاحتجاجات الأخيرة التي حدثت في فرنسا، حيث رضخت الحكومة في نهاية المطاف لمطالب المتظاهرين.

وأكد أن الوضوح والرغبة السياسية الجادة في الإصلاح وتقليل معدلات الفساد وإشراك المواطنين من أهم الركائز الأساسية في التعامل مع التظاهرات.

وجع الشعوب



قال الدكتور أيمن سمير إن أهم ما طغى على الحركات الاحتجاجية التي شهدها العالم شرقاً وغرباً كان «وجع الشعوب» الذي بدا جلياً في هتافات ووجوه المتظاهرين حول العالم على اختلاف جنسياتهم وثقافاتهم ودياناتهم وألوانهم، فلم تفرق الاحتجاجات في لبنان أو العراق أو إيران بين سني أو شيعي، بل على العكس كان هناك نوع من الوعي السياسي الذي تخطى به المتظاهرون حدود الطائفية أو المناطقية، والدليل على ذلك خروج التظاهرات في جنوب بيروت حيث الأكثرية الشيعية ضد سياسات «حزب الله» الشيعي، وكذلك هتافات المتظاهرين الشيعة في العراق ضد تدخلات إيران.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أن من أبرز أوجه التشابه أيضاً بين الحركات الاحتجاجية، عدم وجود قيادات تنظم هذه التظاهرات التي غلب عليها الطابع العفوي كما هو الحال في إيران والعراق ولبنان وتشيلي، كما أن أغلبية التظاهرات بدأت بمطلب اقتصادي تحول إلى سياسي رافض للحكومة والنظام بشكل عام مثلما حدث في السودان والعراق ولبنان وإيران، إلى جانب أن معظم التظاهرات اندلعت شراراتها من أماكن بعيدة عن العواصم وامتدت لتعم المناطق كافة.

الشباب.. محرك الثورات



لعب الشباب دوراً محورياً في الحراك الشعبي الذي شهدته بعض دول الإقليم في كل من السودان والجزائر ولبنان والعراق وإيران، عبر أنماط مختلفة منها المظاهرات الحاشدة، والمسيرات، والوقفات الأسبوعية، والاعتصامات المفتوحة، وقطع الطرق، حيث مثّل الشباب من طلاب الجامعات والمدارس دور «المعارضة السياسية» غير المنظمة، الأمر الذي يمكن تفسيره في ضوء حزمة من الأبعاد، منها السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الداخلي المحفز للاحتجاج، وضيق فرص ومجالات العمل أمام الشباب المتعلم.

ووفقاً لتقرير صادر عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي بعنوان « لماذا تصاعد دور الطلاب في الحراك الاحتجاجي بالشرق الأوسط؟» ، فإن هناك مجموعة من العوامل التفسيرية لازدياد دور الشباب وخاصة الطلاب في مسار الاحتجاجات في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس في اللافتات التي حملوها والتغريدات التي أطلقوها والتصريحات التي أدلوا بها لوسائل الإعلام، ويتمثل أبرز تلك العوامل في السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الداخلي المحفز، فقد ثار هؤلاء على التراجع في مستوى المعيشة وتدهور الأوضاع المالية والاقتصادية، فضلاً عن الاحتجاج ضد الأوضاع السياسية التي تهيمن عليها نخبة محدودة.

ومن العوامل الأخرى المفسرة لازدياد دور الشباب في الحراك الشعبي، وفقاً لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، ضيق فرص ومجالات العمل أمام الشباب المتعلم، ويرتبط ذلك طردياً بارتفاع معدلات التعليم العالي في هذه الدول، ومن ثم زيادة أعداد الخريجين الذين هم بحاجة إلى فرص عمل.

وأشار المركز إلى أن وجود قنوات اتصال مباشرة بين الشباب داخل أسوار المدارس والمعاهد والجامعات خلق مجالاً واسعاً للتفاعل فيما بينهم، الأمر الذي أدى إلى بلورة نوع من الوعي والإدراك المشترك لدى القطاع الأكبر من الشباب حول العديد من القضايا التي تتعلق بهم كفئة اجتماعية مؤثرة. ولم يكن لدى الحكومات التي أنهكها الفساد ما يكفي من المرونة للتجاوب مع مطالب هؤلاء الشباب.