إيهاب الزلاقي

تصنع شركة «تسلا» السيارات المتطورة الكهربائية وذاتية القيادة، هذه معلومة معروفة للجميع، ولكن الجديد أنها أحدث الشركات التي تحاول امتلاك ميزات تنافسية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وذلك من خلال صنع شرائح السيليكون المتطورة الخاصة بها وعدم الاعتماد على الآخرين في هذا الشأن.

في حدث ترويجي الشهر الماضي، كشفت «تسلا» عن تفاصيل شريحة متطورة للذكاء الاصطناعي أطلقت عليها اسم D1، وهي الشريحة المتخصصة في تدريب خوارزمية تعلم الآلة التي تستخدم في تطوير أنظمة القيادة الذاتية التي تنتجها، وركز هذا الحدث على التطورات التي تقوم بها الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي، بل إنه شهد عرضاً راقصاً لشخص تظاهر بأنه إنسان آلي تنوي الشركة بناءه في المستقبل.

وبهذا الإعلان، تكون «تسلا» هي أحدث شركة تدخل في مجال تصنيع الشرائح الإلكترونية المتطورة، رغم أنه مجال لا يعتبر ضمن تخصصها الأساسي، ويعود السبب الأصلي وراء هذا الاتجاه إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر أهمية يوماً وراء الآخر، مع ارتفاع كلفته أيضاً بنفس الدرجة، ولذا فإن العديد من شركات التقنية الكبرى بما في ذلك غوغل وأمازون ومايكروسوفت بدأت في الاستثمار في إنتاج شرائحها الخاصة وعدم الاعتماد على شركات خارجية في تزويدها بها.

وخلال الاحتفالية، قال «إيلون ماسك» الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إن إقحام المزيد من معدلات الأداء خارج أنظمة الكمبيوتر التي تستخدم في تدريب الشبكات العصبية سيكون مفتاح التطور السريع في عمليات القيادة الذاتية، وهذه الشرائح تساعد في هذا الأمر، مؤكداً: "إذا استغرق تدريب أحد النماذج ساعتين بدلاً من يومين فهذا أمر له قيمته".

تصمم «تسلا» بالفعل شرائح إلكترونية تعمل على ترجمة ما تلتقطه أجهزة الاستشعار في سياراتها وذلك منذ التخلي عن استخدام الشرائح التي تنتجها شركة «نيفيديا» منذ عام 2019، ولكن هذا الوضع يختلف كثيراً عن تصميم وإنشاء أنواع قوية ومعقدة من الشرائح اللازمة لتدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي، حيث يعد أمراً أكثر كلفة وصعوبة.

أخبار ذات صلة

خطة مبتكرة من ماسك لزيادة إيرادات تويتر
أبل تعتزم تقديم شاشة حاسوب ماك تعمل باللمس


كريس جيردس، مدير مركز أبحاث السيارات في جامعة ستانفورد، يقول لمجلة «ويرد» المتخصصة: "إذا كانت الشركات تعتقد أن الحل لتطوير القيادة الذاتية هو تدريب شبكة عصبية كبيرة، فإن ما يتبع ذلك هو بالضبط نوع الاستراتيجية المتكاملة التي نراها".

تستخدم العديد من شركات تصنيع السيارات الحديثة نموذج الشبكات العصبية للتعرف على الأشياء على طول الطريق، إلا أن «تسلا» تعتمد بشكل أكبر على التطور التقني من خلال استخدام شبكة عصبية عملاقة واحدة تعرف باسم «المحول» والتي تتلقى المعلومات من ثماني كاميرات داخل كل سيارة في وقت واحد.

أندريه كارباثي، رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي في «تسلا» يرى أن الشركة تصنع «حيواناً» آلياً، حيث قال خلال الحدث: «نحن نبني بشكل فعال حيواناً اصطناعياً من الألف إلى الياء» وأوضح بالقول: "يمكن اعتبار السيارة كحيوان، فهي تتحرك بشكل مستقل، وتستشعر البيئة المحيطة وتأخذ قرارات الحركة بشكل مستقل تماماً".

قدمت نماذج المحولات تطورات هائلة خلال السنوات الأخيرة في مجالات مثل فهم اللغة البشرية، وجاءت هذه التطورات من خلال جعل النماذج أكبر وأكثر نهماً لاستهلاك البيانات، ويتطلب تدريب برامج الذكاء الاصطناعي الكبيرة ما تكلفته عدة ملايين من الدولارات من قدرات الحوسبة السحابية المتطورة.

خبراء تحليل عالم الشرائح الإلكترونية يعتقدون أن «ماسك» يراهن على أنه من خلال تسريع عمليات التدريب سوف يجعل برامج القيادة الذاتية تتطور بطريقة غير مسبوقة خاصة في مواجهة المنافسين، ما يمنح الشركة أفضلية على الجميع، ومن هنا يأتي الاستثمار في إنتاج شرائح الشركة الخاصة.



من جانبه، يرى جيردس، أن استراتيجية «تسلا» في السيارات مبنية بشكل محوري على شبكتها العصبية، فعلى العكس من العديد من شركات تصنيع السيارات، لا تستخدم تسلا أنظمة «ليدار» وهو نظام الاستشعار القادر على رؤية العالم بطريقة ثلاثية الأبعاد، وهو مكلف للغاية، وبدلاً من ذلك تعتمد الشركة على ترجمة وتفسير المشاهد المحيطة بالسيارة من خلال خوارزمية الشبكة العصبية التي تعمل على تحليل البيانات القادمة من الكاميرات والرادار، وهذا الأسلوب يتطلب الكثير من الجهد والعمل من الناحية الحسابية، لأن الخوارزمية تحتاج لإعادة بناء خريطة محيطها اعتماداً على خلاصات الكاميرات بدلاً من أجهزة الاستشعار التي تلتقط الصور مباشرة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن «تسلا» تجمع بيانات تدريب أكثر من شركات السيارات الأخرى، حيث تقوم كل سيارة من أكثر من مليون سيارة للشركة تتحرك على الطرقات بإرسال صور الفيديو من كاميراتها الثماني إلى مراكز بيانات الشركة، وتقول تسلا إنها توظف أكثر من ألف شخص لتصنيف تلك اللقطات، مع الإشارة إلى السيارات والشاحنات وإشارات المرور وأي علامات مميزة على الطريق، وذلك للمساعدة في تدريب نظام «المحول» الكبير.

المثير أن ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة والمكلفة لم يؤدِ فقط إلى إلهام شركات التقنية العملاقة بالتحول لتطوير رقائقها الخاصة، ولكنه أيضاً أدى إلى ولادة العشرات من الشركات الناشئة الممولة بشكل جيد، والتي تعمل في مجال إنتاج شرائح السيليكون المتخصصة.

في الوقت الحالي، تهيمن شركة «نيفيديا» على سوق شرائح التدريب على الذكاء الاصطناعي، وهي الشركة التي بدأت مسيرتها بتصنيع الشرائح لمنصات ألعاب الكمبيوتر، وتحولت الشركة إلى المسار الجديد عندما بدا واضحاً أن وحدات معالجة الرسوميات والجرافيك GPU الخاصة بها كانت أكثر ملاءمة لتشغيل الشبكات العصبية الكبيرة من وحدات المعالجة المركزية CPU التي توجد في قلب أجهزة الكمبيوتر المخصصة للأغراض العامة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يقود الطريق لابتكار مجموعة متنوعة من تصميمات الرقائق الإلكترونية، والمدهش أن تصميم الرقائق يتطلب عادة خبرات فنية عميقة وقدرة على الحكم، إلا أن تطور تعليم الآلة أثبتت فعالية إضافية في أتمتة عناصر عملية التصميم وتسريعها، وفي الوقت الحالي تقوم غوغل وسامسونج وغيرهما بإنتاج شرائح إلكترونية تم تصميمها جزئياً باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ويرى المحللون، أنه رغم هذه التطورات المتلاحقة، إلا أن العديد من الأسئلة الفنية لا تزال قائمة حول الشرائح المتخصصة مثل شريحة D1 من تسلا، ومن ذلك مدى فعالية توصيلها معاً، ومدى جودة الخوارزمية التي يمكن تقسيمها وتوزيعها عبر شرائح مختلفة، وهو ما يمثل رهاناً كبيراً لفريق البرمجيات بالشركة.