أيمن سمير

هل تسحب الولايات المتحدة قواتها العسكرية من كامل إقليم الشرق الأوسط الممتد من باكستان وأفغانستان شرقاً، حتى بلاد المغرب العربي غرباً؟ وإلى أي مدى تقف الدوافع الاقتصادية والتكاليف المالية وراء مثل هذه الأطروحات؟

هذا الجدل بدأ يتردد صداه من جديد منذ إعلان البيت الأبيض في 3 مارس الماضي وثيقة «الدليل الاستراتيجي المؤقت» للأمن القومي، والتي كشفت بوضوح أن تركيز السياسة الخارجية والتواجد العسكري الأمريكي خلال السنوات القادمة سيكون على منافسة الصين وروسيا، وأن «تمركز الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط سيكون في المستوى المطلوب لتدمير الشبكات الإرهابية وحماية المصالح الحيوية الأمريكية» حسب ما نشره موقع تريندز TRENDS.

اكتسب هذا الجدل بين المؤيدين والمعارضين حول سحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، حماساً كبيراً بعد سحب واشنطن للجيش الأمريكي وقوات حلف الناتو من أفغانستان في 31 أغسطس الماضي، ثم الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الرئيس الأمريكي جو بايدن، ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، في 24 يوليو الماضي على إنهاء «الدور القتالي» للقوات الأمريكية في العراق في 31 ديسمبر القادم، بالإضافة إلى قرار الولايات المتحدة في 5 ديسمبر الماضي بسحب 700 جندي أمريكي من الصومال في يناير الماضي.

(أ ف ب)

أخبار ذات صلة

عبدالفتاح البرهان: لا نقبل المساعدات المشروطة وعلاقتنا مع إسرائيل لم تنقطع
سقوط طائرة مقاتلة مصرية أثناء تنفيذ إحدى الأنشطة التدريبية

ويتركز الحديث الأمريكي على أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تنفق تريليونات الدولارات على الحروب التي لا تنتهي في حين تنفق الصين الأموال على البنية التحتية والتطور التكنولوجي، بحسب بايدن، الذي قال إن الولايات المتحدة كانت تنفق 300 مليون دولار يومياً على القوات الأمريكية في أفغانستان، كما أن الذين دعموا الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ويروجون الآن لسحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط يعتمدون على أرقام دراسة جامعة براون الأمريكية، التي توصلت إلى أن حروب الولايات المتحدة الثلاث خلال العشرين عاماً الماضية في العراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب كلفت 8 تريليونات دولار، وقتل فيها ما بين 897 و929 ألف قتيل.

فالولايات المتحدة أنفقت 5.8 تريليون دولار على الحرب في أفغانستان والصراعات الأخرى الناجمة عن هجمات 11 سبتمبر 2001، كما كلفت الصراعات في العراق وسوريا الولايات المتحدة 2 تريليون دولار إضافية، وبلغت تكاليف عمليات مكافحة الإرهاب الأخرى في أماكن مثل الصومال وأجزاء أخرى من أفريقيا نحو 355 مليار دولار. كما أن الاعتناء بالجنود وعائلاتهم والجرحى من حروب العقدين الماضين كلف الخزانة الأمريكية 456 مليار دولار حتى 2021 وسوف تكلف الحكومة الأمريكية 2.2 تريليون دولار إضافية لرعايتهم حتى عام 2050.

الاستدارة شرقاً

الحديث عن سحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط ليس وليد اليوم أو حتى الأمس القريب، فمنذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، تقول الولايات المتحدة إنها ستبدأ في تخفيف مسؤولياتها ومهامها العسكرية في الشرق الأوسط، وإن أوباما سيركز على الوجود الأمريكي في المحيط الهادئ، لذلك بدأ الرئيس أوباما في السحب التدريجي للقوات الأمريكية من أفغانستان والعراق الذي أنهى الوجود العسكري فيها بنهاية عام 2011 قبل أن تعود مرة أخرى في 2014 لمحاربة تنظيم داعش.

(رويترز)

كما أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في 19 ديسمبر 2017، قالت إن الولايات المتحدة ترى في روسيا والصين منافستين استراتيجيتين على المستوى العالمي، بعد أن كانت الحرب على الإرهاب والتواجد في الشرق الأوسط تتصدر استراتيجية الأمن القومي الأمريكي منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 حتى 2017 عندما أعلن ترامب استراتيجيته للأمن القومي، تحت عنوان «أمريكا أولاً»، وهو الجدل ذاته الذي يدور حالياً في واشنطن.

البعض يقول إن الولايات المتحدة تبحث في الوقت الراهن نطاق الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، بما يتناسب مع طاقاتها ومتطلباتها مثل مستشار وزارة الخارجية الأمريكية ديريك شول، الذي صرح بالقول إنه «نظراً للتحديات التي نواجهها في أنحاء العالم، فضلاً عن مواردنا المحدودة، فإن هدفنا هو إيجاد الحجم المناسب لهذا الوجود العسكري، بما يتيح التواجد والقدرة الكافية لحماية مصالحنا وتحقيق أهدافنا المشتركة.. وإن البنتاغون نيابة عن بايدن، يدرس جدوى تعديل رقعة الوجود العسكري الأمريكي في جميع المناطق». لكن على الجانب الآخر وفي وزارة الخارجية الأمريكية نفسها هناك من يقول إن «إدارة بايدن لن تنهي الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط»، وفق ما قاله جوي هود، نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط.

مشاركة في التكاليف

(أ ب)

ينتشر في العالم نحو 200 ألف جندي أمريكي، وفق إحصائيات جرت نهاية عهد ترامب، منهم نحو 50 ألف جندي في الشرق الأوسط، وفق حسابات مجلة نيوزويك الأمريكية. ويعد الإنفاق الأمريكي على الدفاع والجيش والمخابرات هو الأعلى في العالم. ففي عام 2020 بلغ الإنفاق العسكري الأمريكي حوالي 778 مليار دولار، وبذلك استحوذت الولايات المتحدة على 39% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي في عام 2020، وفق دراسة لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

لهذا تبلغ نسبة الإنفاق العسكري الأمريكي نحو 3.7 % من الناتج القومي الأمريكي، وتطالب الولايات المتحدة الدول التي تستضيف قوات أمريكية بالمشاركة في تكاليف الإنفاق، وخلال قمة الناتو في ويلز 2014 تم الاتفاق بين الولايات المتحدة ودول حلف الناتو بأن ترفع دول الحلف مساهماتها في الإنفاق العسكري إلى 2 % من الناتج القومي، وما زالت هذه القضية تعكر صفو العلاقات الأمريكية مع حلف الناتو، وكان هذا الخلاف سبباً في قرار ترامب في نقل 9500 جندي أمريكي من ألمانيا، التي تستضيف 36 ألف جندي أمريكي ولا تفي حتى الآن بنسبة 2 % من الناتج القومي.

ورغم إلغاء بايدن قرار ترامب بنقل القوات خارج ألمانيا، إلا أنه طالب جميع دول الناتو بما فيهم ألمانيا بالوفاء بنسبة 2% من الناتج القومي على الإنفاق العسكري. وفي 8 أبريل الماضي وقعت الولايات المتحدة اتفاقاً مع كوريا الجنوبية التي تستضيف نحو 28 ألف جندي أمريكي لتقاسم النفقات بعد أن وقع النائب الأول لوزير الخارجية الكوري الجنوبي تشوي جونغ-كون، مع وروب رابسون القائم بأعمال السفارة الأمريكية في سيؤول اتفاقاً لتقاسم الكلفة الدفاعية، ينص على تحمل سيؤول 1.05 مليار دولار سنوياً بداية من هذا العام، ويستمر الاتفاق حتى 2025، وفق وكالة يونهاب الكورية الجنوبية.

(رويترز)