الرؤية

تترقب الدوائر السياسية والاقتصادية فى أنحاء العالم، مستجدات الصراع متعدد الأبعاد بين التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والصين من جهة أخرى، خاصة مع اقتراب دورة الألعاب الأولمبية الشتوية رقم 24، والمقرر أن تبدأ يوم 4 فبراير المقبل.

أظهرت الأيام الماضية أن التحالف الأمريكي الذي اتفق على المقاطعة الدبلوماسية، دون الرياضية لدورة بكين، قد يكون في جعبته كروت أخرى لإفساد ما يعتبره فرصة كبرى لقيام الصين بتجميل صورتها ألا وهي أيام الأولمبياد.

في المقابل، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، ليل الجمعة، ببكين، في خطاب بمناسبة العام الجديد 2022، إن الصين لن تدخر جهداً في تقديم دورة ألعاب أولمبية شتوية عظيمة للعالم. وزاد أن «كل أنظار العالم على الصين، والصين جاهزة». وأضاف أن مشاركة عدد أكبر من الجمهور في الألعاب الشتوية يسهم في الحركة الأولمبية.

وعززت الصين اتصالاتها مع روسيا ودول أخرى، فى الأيام الماضية، للتقليل من أثر المقاطعة الدبلوماسية الأمريكية-البريطانية-الكندية-الأسترالية للأولمبياد، وتتجه بكين إلى نوع من تهدئة التوترات، مع أقرب نقطة إليها من دول التحالف وأكثرها تحفزاً، هي أستراليا، وهو ما تمثل في فك جزئي لحظر استيراد الفحم من أستراليا نهاية نوفمبر الماضي.

من المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة خطوات أخرى، حتى لو ظلت أستراليا على لغتها المتشددة إزاء الصين، على الأقل لتفويت فرصة تعكير أجواء الحدث الرياضي الكبير.

أخبار ذات صلة

زيادة صادرات الصين من السيارات الكهربائية أكثر من الضعف
الصين تحتاط لفساد أقارب المسؤولين بتوسيع قواعد حكومية

معارك دبلوماسية وتجارية

وإذا كانت التهديدات العسكرية المتبادلة بين الصين والغرب والتي تتمحور حول بحر الصين الجنوبي، وقضايا تسليح أمريكا لتايوان (ورد الحديث عن إعادتها إلى الوطن الأم 3 مرات فى خطاب بينغ المشار إليه)، وعقد صفقة غواصات نووية لا تكشفها الرادارات بين أستراليا وأمريكا، بدلاً عن الغواصات الفرنسية، ومرور قطع بريطانية وألمانية من بحر الصين، فإن أحداً في النهاية لا يتوقع حدوث صدامات مسلحة حقيقية، لأن عواقبها على الجميع وخيمة.

لا يبقى إذاً، على الأقل الآن سوى المعارك الدبلوماسية، ومعارك التجارة والاستثمار للتأثير على الصين وإرباكها.

من المصادفات أن أستراليا ستحتفل بعيد تأسيسها يوم 26 يناير، وهو عيد لا يتفق عليه الجميع هناك، لكنه يشهد فعاليات عدة ذات طابع قومي، ويأتي قبل 8 أيام من انطلاق الدورة الشتوية، ويأتي ومعه أحاديث في الصحافة العالمية عن أن أستراليا أصبحت رأس الرمح للمعسكر الغربي في مواجهة الصين سياسياً، كما أنها قدمت أملاً على إمكانية إحباط شعور الصين بالقوة، إذ إن الصين لم تستطع بالعقوبات التجارية على أستراليا، على رأسها وقف استيراد الفحم لنحو عامين منها، إجبار أستراليا على تغيير سياساتها أو خطابها.

كان النزاع بين البلدين قد تفجر إثر مطالبة أستراليا بتحقيق دولي في منبع كورونا، ما أهاج غضب بكين، خاصة أن أستراليا انضمت إلى تحالف "أوكوس" الدفاعي مع بريطانيا وأمريكا، والموجه ضد الصين.

شراكات ممتدة

لاحقاً، رفعت أستراليا منسوب الخلاف بانضمامها إلى تحالف دفاعي آخر يضم أمريكا والهند واليابان، كل ذلك بالإضافة إلى أن أستراليا عضو «العيون الخمسة» وهو تحالف استخباراتي يضم أمريكا وكندا وأستراليا وبريطانيا ونيوزيلندا.

وسعت أستراليا مساحة علاقاتها مع بكين في السنوات الماضية، وبلغت ذروة العلاقات بتوقيع اتفاق التجارة الحرة مع الصين والذى بدأ من 2015، ثم قلبت لها ظهر المجن، وأخذت تندد طوال الوقت، بنفس نبرة الولايات المتحدة والحلفاء، بإهدار حقوق الإنسان في الصين، و التمييز ضد أقلية الأويغور، وإسكات الأصوات الديمقراطية في هونغ كونغ. لذا اندفعت الصين، كأنما في استفاقة متأخرة من حلم التقارب الوطيد مع دولة غربية الطابع والنظام، لتعوض اعتمادها المفرط على خام الحديد الأسترالي باستثمار مليارات الدولارات في مناجم حديد في الجزائر وغينيا، واستيراد كامل خام موريتانيا تقريباً.

فرِّق تسد

ووفق دراسة أسترالية احتفت بها بشدة وكالة «شينخوا»، قامت الصين باستيراد ما أحجمت عن استيراده من أستراليا، من كل من أمريكا وكندا ونيوزيلندا، عامدة، وارتفعت واردات الصين من الفحم من أمريكا في فترة مقاطعة الصين لفحم أستراليا 12 ضعفاً، ما يشكك في صدق وقوف حلفاء أستراليا معها. وإزاء المناورة التجارية الصينية هذه، دعا رئيس وزراء كندا إلى تشكيل تحالف صلب ضد الصين، لأنها تعمل على التفريق بين الدول الديمقراطية المتحالفة ضدها.

اللافت أن التجارة بين الصين وكل تلك الدول بما فيها أستراليا، لا تزال نشطة، وسجلت الصين فائضاً تجارياً قوياً مع كل من كندا وأمريكا وبريطانيا في نوفمبر. وهنا يأتي دور مجموعة المحللين التي ترى أن التشابك في المصالح أصبح يستعصي على أن يتم فضه، ومن ثم لا بديل عن تفاهمات فى كل الملفات الساخنة، الجيوسياسية والعسكرية والتجارية والتكنولوجية، غير أن ذلك نفسه صعب هو الآخر، ويحتاج إلى وقت طويل، لكن المدخل للحل كما يقول مفكرون، هو الوعي بطبيعة الصينيين والروس، فكلا الشعبين حساس لما يمس كبرياءه الوطني أو القومي، وفيما عدا هذا فكل شيء يمكن التفاهم حوله.

جهود التهدئة

وقد تبذل الصين، بحسب توقعات، جهوداً ضخمة في الفترة المقبلة للتهدئة مع الهند، ومحاولة تسهيل التحاقها باتفاق الشراكة الآسيوية مع الباسيفيكي، وتفهم مخاوفها التي أعلنتها وقت أن رفضت التوقيع عليه في 2019، واستغلال وجود اليابان وكوريا في هذا الاتفاق لتحسين مواقف أطراف أخرى من الصين. فهل يمكن مع كل ما تقدم أن تمر الدورة الأولمبية بنجاح؟ سيبقى السؤال قائماً حتى آخر لحظة.