الرؤية

عادة ما يكون وراء نوبات الغضب الشعبي التلقائي التي بلا قيادة، كما جرى في كازاخستان مؤخراً، عامل محفز.

الخبز في مصر يناير 1977 - ومعه بالمناسبة الوقود أيضاً - كان العامل المحفز لتلك الأحداث الشهيرة.

الخبز والبطالة في تونس 2011، والحال نفسه في الأردن، كانا هذا المحفز.. وهكذا.

الشرارة الأولى

دائماً ما تبدأ الشرارة من مناطق فقيرة مثل مدينتي جناوزين واكتاو بكازاخستان في الحالة الراهنة، ويكون السبب حقيقياً. أما ما يجري بعد ذلك فله أسباب مختلفة، حيث يتيح المسرح، في لحظة كتلك، لقوى خفية خارجية أو داخلية، أو كامنة أن تتحرك.

وحتى اللحظة، لم تقدم الحكومة الكازاخستانية تفسيراً محدداً لقيام السلطات برفع سعر غاز الوقود، الذي كان السبب المباشر في اندلاع الاحتجاجات والفوضى والعنف منذ بداية الأسبوع الماضي.

أخبار ذات صلة

«تحدٍّ أسرع من الصوت».. فرص المواجهة العسكرية بين أمريكا والصين
توقعات بخسارة ماكرون للأغلبية البرلمانية.. واليمين الفرنسي يصف الاختراق بـ«تسونامي»

ويرى محللون أن الخطأ الأكبر هو أن قيادة الدولة لم تتح للمواطن البسيط التعرف على حيثيات قرار رفع سعر الطاقة، ولم تشرح أو تناقش نوع التعويض الذي سيتم منحه للمتضررين، لا سيما في بلد لا تدل فيه المؤشرات الاقتصادية المعلنة على حدوث ضغوط عنيفة على الخزانة العامة أو أسعار الصرف أو الاحتياطيات أو التجارة الخارجية، أو الاستثمار الأجنبي بسبب كورونا.

كل ذلك مع التسليم بحدوث تراجعات منطقية في النمو عام 2020، وفي مؤشرات مثل الاستثمار الأجنبي، الذي انخفض إلى نحو 17 مليار دولار في 2020 (رقم ليس بالقليل في النهاية)، كجزء مما حدث في دول العالم بعامة مع الجائحة.

أبعد من ذلك، جاء رفع سعر الوقود في ظرف زادت فيه أسعار البترول في الفترة الماضية، بما عوض خزانة البلاد نسبياً عن خسائر من جراء كورونا. وشهدت السنوات الماضية في كازاخستان إشادات بالنمو الاقتصادي، بلغت ذروتها مع استضافة إكسبو 2017، وزيارة رئيس البنك الدولي لها ذلك العام.

توازن ذهبي

كازاخستان، وهي أكبر دولة حبيسة في العالم، لديها موارد معدنية وزراعية وحيوانية ضخمة، إضافة إلى البترول والغاز والفحم كما أنها تنتج 40% من احتياجات العالم من اليورانيوم.

حرصت تلك الدولة الحبيسة جغرافياً على إقامة توازن ذهبي في علاقاتها الخارجية، حسب موقع «ذا هيل»، مع كل من الصين وروسيا وأمريكا وأوروبا، ولم تتخذ موقف التابع في أي وقت.

لكن المعلقون الروس مثل ألكسندر نازاروف، ركزوا في تحليلهم للأحداث الأخيرة، على وجود تدخل خارجي أمريكي-تركي في الاضطرابات. وأوضحوا أن الانفجار جاء لفتح جبهة جديدة لروسيا في خضم انشغالها وخلافها مع الغرب بشأن أوكرانيا، رابطين ما جرى بأنه ضمن سلسلة الأعمال التي تقوم بها أمريكا أولاً، وبروكسل تالياً، للهيمنة على دول الاتحاد السوفييتي السابقة.

أما المصادر الغربية، فتحدثت عن الانفجار بحرص، وأشارت إلى نمط الحكم الشمولي المركزي كسبب، وعوامل عرقية، وغياب الانتخابات النزيهة، وهيمنة حزب واحد على الحياة السياسية، وتطلعات الجيل الجديد من الشباب، لكنها أقرت بأن الأحداث بلا قيادة أو مطالب محددة، الأمر الذي يعزز نظرية العامل المحفز الذي فجر نوبة الغضب الشعبي التلقائي والتي جاءت «بلا قيادة».

ويبقى أنه وبالرغم من أن البنك الدولي ومنظمة الشفافية يضعان كازاخستان في مرتبة سيئة فيما يتعلق بالشفافية والفساد، إلا أنه كان من الملاحظ أن المتظاهرين لم يتطرقوا إلى ذلك.

وعندما تحدثت السلطات المحلية عن عناصر خارجية وضبط أسلحة و20 ألف إرهابي يحملون السلاح، وخرج الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف ليؤكد أن بلاده نجت من محاولة «انقلاب» دبرتها «مجموعة منفردة»، ربما فسر كل ذلك تطور سير الاحتجاجات، لكنه لم يقدم توضيحاً لبدء اندلاعها ولا لماذا تفجرت.