سمر نبيه

سميح المعايطة: انعكاس للحالة السياسية العربية

أيمن منصور: غير قادر على مواكبة التحديات

نضال شقير: تفتقر آليات الإعلام الحديث لتوصيل المعلومات

ياسر عبدالعزيز: الدور الدعائي يهيمن على الرسالة الإعلامية


تواجه الأمة العربية تحديات كثيرة خلال السنوات العشر الأخيرة، ومع تعاظم أهمية هذه التحديات، تتجه الأنظار إلى الإعلام باعتباره حائط الصد أمام المخططات التي تستهدف نسيج الأمة، فرغم الثورة التكنولوجية التي صاحبت العولمة، وأفرزت أنماطاً إعلامية جديدة أكثر سرعة في نقل الأحداث أو التعاطي معها، إلا أنه من فترة لأخرى يتم توجيه الانتقادات للإعلام بأنه ليس على مستوى التحديات التي تواجه المنطقة. المراقب للمشهد يلحظ أموراً كثيرة تقف وراء ضعف الإعلام العربي في نظر الخبراء والأساتذة الإعلاميين العرب، حيث أكدوا أن الإعلام انعكاس لحالة عدم الاستقرار والحالة السياسية السيئة التي تشهدها المنطقة العربية، مشيرين إلى أن هناك عدداً من التحديات التي تواجه الإعلام العربي، وتجعله أقل قدرة على مواجهة التحديات التي تحاكي المنطقة العربية، أهمها عدم توفر الموضوعية، وغياب المعلومات، ونمط الملكية السائد لدى العديد من الوسائل، فضلاً عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

الأولويات العربية

يقول وزير الإعلام الأردني الأسبق، سميح المعايطة، إن الإعلام بالدول العربية هو انعكاس للحالة السياسية بشكل عام، التي هي حالة غير منتظمة وغير منسجمة مع بعضها البعض، فقد تغيرت الأولويات في الحالة العربية بشكل كبير، ولم تعد القضايا المركزية السابقة هي القضايا المركزية اليوم، وأصبحت الأولويات هي: قضايا الاقتصاد، التنمية، القضايا الداخلية، الإرهاب، العنف الداخلي، وبالتالي لم يعد هناك شيء، للقول إن هناك إعلاماً عربياً بشكل كامل، أو حالة عربية إعلامية، فالوضع العربي السياسي تغير كثيراً، وتغيرت أولويات الإعلام.

وأضاف: «الإعلام اليوم فقد جزءاً من قوته، مع تطور التكنولوجيا، ومع قوة السوشيال ميديا، التي أخرجت الإعلام المهني المنتظم، من دوره، بمعنى أنه لم تعد وسائل الإعلام التقليدية هي الوسائل الفاعلة، والتي تشمل الصحف والإذاعة والتلفزيون، فقد أصبحت أقل تأثيراً وأقل حضوراً في حياة الناس مقابل التطور ومساحات أكبر لوسائل التواصل الاجتماعي، التي هي ليست إعلاماً بالمفهوم الصحيح، لأن وسائل التواصل تُضخ عليها مواد من أفراد قد تكون موادَّ اجتماعية أو دعائية أو رياضية أو أحاديث شخصية أو تعليقات، ويأتي جزء ضئيل هو مما تنتجه وسائل الإعلام التقليدية، فدور الإعلام وقوته وحضوره، أصبح أقل لمصلحة وسائل التواصل التي هي وسيلة لتعبير الناس عن آرائهم في قضاياهم الاجتماعية، السياسية، أخبارهم الخاصة، وجهات نظرهم في أشياء قد لا تكون مهمة للآخرين.

أخبار ذات صلة

عبدالفتاح البرهان: لا نقبل المساعدات المشروطة وعلاقتنا مع إسرائيل لم تنقطع
سقوط طائرة مقاتلة مصرية أثناء تنفيذ إحدى الأنشطة التدريبية


وأكد «المعايطة»، أننا في عالمنا العربي بحاجة لإعادة تنظيم الحالة الإعلامية بشكل أكبر، ولكي يعزز الإعلام التقليدي حضوره على وسائل التواصل، لا بد من أن يمتلك القدرة على التأثير مرة أخرى، ويطور أدواته بشكل كبير، كذلك لكي يتطور الإعلام العربي، فنحن بحاجة إلى أن الحالة السياسية العربية تتغير بشكل أكبر، ويتحول جزء منها إلى ما كانت عليه قبل ذلك، فاليوم لا يوجد خطاب عربي موحد تجاه كل القضايا.

وأشار إلى أن الإعلام اليوم في المنطقة العربية، أصبح مفككاً، وفي بعض الدول أصبح الإعلام يعاني من أزمة مالية، بعد التطورات التي تمت في صعيد الإعلام، فهي سلسلة من التفاصيل والأحداث والمعطيات التي جعلتنا نقف ونقول إن الحالة الإعلامية للأسف لم تعد حالة منتظمة ومؤثرة، وكما الدول تغيرت أولوياتها، ودخلت على أجندتها قضايا مختلفة وأولويات، ومواقف جديدة تجاه القضايا المختلفة، فكذلك الإعلام قد تأثر كثيراً بالذي يجري في العالم العربي. وأوضح المعايطة أن الإعلام يحتاج إلى تغيير في الحالة السياسية العربية، وهو أمر ربما تكون به صعوبة في هذه المرحلة على الأقل، فدائماً الإعلام بحاجة لقيادة سياسية تقوده، بمعنى أن الأشخاص الذين يديرون الإعلام، سواء الصحف أو محطات التلفزيون، يجب أن يكونوا أصحاب رؤية ووجهات نظر سياسية، أصحاب خبرة بالمجال السياسي، الأمر الآخر هو أن الإعلام بحاجة لقوة الدفع المالي للجزء الأكبر من التطوير، فالصحف الورقية، والإذاعات، وحتى محطات التلفزيون في حاجة لثورة في العمل، تغيير آليات العمل، أن يكون هذا الإعلام موجوداً على مواقع التواصل بمهنية واحترافية عالية، مع الإبقاء على الشكل التقليدي للإعلام.

إقرأ أيضاً..اليابان تطلق أحدث نسخة من «الكتاب الأزرق»: روسيا دولة احتلال

الدور الدعائي

يقول الخبير الإعلامي، الدكتور ياسر عبدالعزيز: إن من أهم التحديات التي تواجه الإعلام العربي، هو تحدي نمط الملكية، فقد نشأت وسائل الإعلام في كنف الحكومات والأنظمة، وبالتالي الدور الدعائي هيمن على أداء وسائل الإعلام لفترات طويلة، حيث كانت تعبر عن الأنظمة الوطنية، وهذا له تداعياته السلبية، منها أنه قلص فرص نمو القطاع، لأن المالك والمهيمن واحد، وعمّق الدور الدعائي من جانب، وقلل فرص التناول الموضوعي للقضايا العامة، أما التحدي الثاني فهو أن الكادر الإعلامي العربي لم يخضع للفرص المناسبة للتأهيل والتدريب السليم، وبالتالي كانت هناك دائماً فجوة بين المتطلبات المهنية وبين طبيعة الكادر، وهذا كانت تتم ملاحظته، عندما يقوم أحد الإعلاميين العرب بالالتحاق بمنظومة إعلامية دولية، لأنه توجد فجوة في المهارات، والاستعداد والتكوين، وهناك تحدٍّ ثالث في الحياة الإعلامية العربية، وهو أن الحالة المعلوماتية في العالم العربي حالة غير شفافة، فهناك غياب للمعلومات، إلى جانب عدم القدرة على تداول المعلومات المتاحة، فهناك الكثير من الموضوعات والقضايا التي من الصعب تناولها لأسباب سياسية وقانونية، وحالة الشفافية غير موجودة، وبعض الدول العربية لا تحظى بقوانين لإتاحة المعلومات.

وأضاف، أن هناك تحدياً جديداً ظهر، ألا وهو تحدي وسائل التواصل الاجتماعي، وقد زادت هذه الوسائل من الضغوط على المؤسسات الإعلامية العربية، وبات الأداء الإعلامي تحت رحمة وسائل التواصل، ففي الوقت الذي كان الباحثون ينظرون فيما إذا كانت وسائل الإعلام تعيش تحت رحمة السلطات، وتحت رحمة رجال الأعمال حسب نمط الملكية، أصبحنا الآن نتحدث عما إذا كان الإعلام يعيش تحت رحمة وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي تم تغيير جزء من أساليب إنتاج المادة الإعلامية، وتقديمها، لكي يتواكب مع عالم الوسائط، وهذا الأمر أضر ضرراً بالغاً بالعملية الإعلامية والصحفية، وجعل مفهوم الصحافة على المحك. وأشار إلى أن الصحف الآن تنتج بطريقة تتناسب مع طريقة العرض على وسائل التواصل الاجتماعي، والنتيجة أن هذا المنتج لا يتحلى بالقيم والمعايير والمبادئ الإعلامية، فبسبب أن معظم العوائد أصبحت تأتي من وسائل التواصل الاجتماعي، فأساليب تقديم المادة وإنتاجها، أصبح مبنياً على خدمة العرض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه الوسائط تستفيد من المنتج الصحفي، الذي يتم إنفاق أموال عليه، وتخصيص أموال له، وتعرضه دون أن تدفع عوائد، فعالم وسائط التواصل الاجتماعي عزز الضغوط على الوسائل الإعلامية ووضع فكرة العمل الصحفي على المحك، لأن الخط الفاصل بين الصحفي المهني والمحترف، وبين المؤثر أو منتج المحتوى لم يصبح واضحاً. وتابع: لمواجهة هذه التحديات يجب أن يكون هناك ضغط تنظيمي وقانوني على عالم الوسائط على سبيل المثال، من أجل أنه يتم دفع مقابل لاستخدام المادة الخبرية، وأيضاً يجب العمل على مبادرات قانونية وسياسية لتفكيك الاحتكار، فالمشكلة الأساسية التي تواجهنا مع هذه الوسائط هي الاحتكار، فوسيط مثل الفيسبوك يعامل مستخدميه بقسوة لأن وضعه احتكاري، فالعالم يشعر بالشلل إذا توقفت هذه الوسائط، فيجب العمل على تفكيك هذا الاحتكار، وأن تدفع هذه الوسائط مقابل ما تحصل عليه من أخبار، والضغط عليها من أجل تقليل استخدام الأخبار الزائفة، والشائعات. وشدد على ضرورة تعزيز أنماط ملكية وسائل الإعلام، التي لها صيغة تعاونية، أو صيغة يشترك فيها قطاعات كبرى من المالكين، لأن هذا سيساعد على تقليل التحكم السلطوي في أداء الوسائل، بمعنى أنه بدلاً من أن يكون هناك نمطا ملكية سائدان، إما رجل أعمال يتحكم في مسار الوسيلة، أو حكومة تتحكم في مسار الوسيلة. ولفت إلى أن الوطن العربي في حاجة إلى إنفاق مزيد من الجهود والموارد على تكوين الصحفي، فهناك فريضة غائبة في الإعلام العربي هي فريضة التدريب، فعدد كبير من وسائل الإعلام لا تحتفي بالتدريب، فلا بد من التركيز على فكرة التدريب والتأهيل، لأن هذا هو ما يكون الصحفي المحترف، وهو ما يضمن وجود المادة الإعلامية المناسبة.

المصارحة والمكاشفة

يقول أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، الدكتور أيمن منصور، إن الإعلام العربي لا يقوم بدوره على النحو الأمثل، كونه إعلاماً حكومياً بحتاً، فهو ليس إعلاماً تابعاً للدول، بقدر ما هو تابع للحكومات، فهو لا يعبر بقدر كافٍ عن الشعوب، فالإعلام في الدول العربية أقل من طموحات الشعوب، وحتى يكون حقيقياً لا بد من أن يكون قادراً على المكاشفة والمصارحة، لكن نحن ليس لدينا قدرة على ذلك، فالقنوات العربية غير قادرة على المكاشفة والمصارحة، حتى بعض القنوات التي تقوم بفتح العديد من الملفات، غير قادرة على فتحها مع دولها، مشيراً إلى أن وسائل الإعلام لا تلبي احتياجات الجمهور، ولا تعبر عن مشاكله الحقيقية، وهي أداة ضليعة في يد الحكومة، وبالتالي هناك انفصام وعزلة وقطيعة تامة بين الإعلام والشعوب، فالإعلام هو أداة تكميلية للحكومة، ولا تعبر عن اتجاه حقيقي لدى الشعب.

وأضاف: في مقياس ترمومتر الإعلام العربي، حالة المواطن دائماً مستقرة على عكس الواقع، لافتاً إلى أن الإعلام العربي سينجح عندما يكون قادراً على التقاط الفروق بين حالتَي الغضب والرضا، والقناعة وعدم القناعة، وعندما يعبر عن أحوال الشعوب. وتابع أن الإصلاح الإعلامي مقدم على الإصلاح السياسي والاقتصادي، لأنه بدون قنوات اتصال ذات مصداقية وذات فكر مع الجمهور، لا يمكنك الحديث، فإعلام بلا مصداقية لا يمكنه إيصال رسائله، أيضاً اختيار الإعلاميين الذين يلقون ثقة لدى الجمهور، فغياب الإعلام أدى إلى افتقاد الثقة بين المواطن والحكومة، عدم قدرة الحكومات على توجيه الشعوب، عدم انخراط الشعوب في البرامج التنموية التي تتطلبها الدول، هناك حالة من الإحباط واليأس لدى المواطن من أي إصلاحات، وهو ما يسمى بالأمن النفسي للمواطن، فاختلال الأمن النفسي للمواطن يتساوى مع اختلال الأمن الدفاعي والعسكري. وأشار إلى أن الشعوب العربية كلها مهزومة لأنها لا تصدق وسائل إعلامها أو حكوماتها، لافتاً إلى أن السياسات الإعلامية الحالية وغياب الإعلام القوي، جعل الناس تنصرف إلى وسائل التواصل الاجتماعي، في الأنشطة السياسية والاقتصادية.

إقرأ أيضاً..الانتخابات الفرنسية: نسب التصويت وعلاقته بفرص ماكرون لوبان

مشكلة المصداقية

يقول أستاذ التواصل الاستراتيجي اللبناني الفرنسي، الدكتور نضال شقير، إن هناك مشكلة بنيوية في الإعلام العربي بشكل عام، فهناك الكثير من الوسائل الإعلامية، لكن هذه الوسائل يعاب عليها بأنها غير موضوعية بشكل كافٍ، فهي أشبه بطريقة الإعلام الحربي، وليس الإعلام الموضوعي، فكل قناة تصنع وجهة نظر معينة، ولا تصنع كل الآراء، وهناك أيضاً مشكلة المصداقية، لذلك نجد هناك ضعفاً كبيراً للإعلام العربي، حيث يعدون الإعلام الأجنبي لديه مصداقية بشكل أكبر من الإعلام العربي، فهناك مشكلة في عملية الإدارة وعملية توصيل الأخبار، حيث تتم بطريقة الإعلام الحربي، وليست بطريقة الإعلام الحديث، فهناك مشكلة بنيوية في إيصال الرسال للناس، وهذا أكبر تحدٍّ أمام العالم العربي.

وأضاف «شقير» في تصريحات خاصة: «ضعف الإعلام مرتبط بما يقع من أحداث وعدم استقرار أيضاً بالعالم العربي، ونحن نفتقد الموضوعية، فنحن- الشعوب العربية- عاطفيون دائماً، مع أو ضد، فالإعلام انعكاس لحالة الوضع العربي، فالإعلام العربي منهجية قديمة، ويخدم أجندات سياسية ولا يخدم الشعوب، فيستخدم للتأثير على الشعوب وليس لخدمتها، وهذه أبرز مشكلات الإعلام، أيضاً هناك مشكلة إدارة تعوق وصول الإعلام لمستوى أعلى، فالإعلام العربي ليس لديه خط سياسي واضح، أو أسس محددة.وأشار إلى أن الإعلام موجّه للتأثير على الرأي العام وليس لخدمته، لافتاً إلى أنه في مقابل ذلك يتمتع الإعلام العربي بتوفر ميزانيات ضخمة من الأموال، وهناك كم كبير من القنوات العربية، فهل السوق يستوعب هذا العدد من القنوات، أم أنه لا بد من تقليصها لإحداث دور وتأثير فعالَين للإعلام في المنطقة العربية، وحتى يتم القفز نحو الإعلام الجديد الذي يستند إلى الموضوعية والمصداقية.