أيمن سمير

تلميذ نجيب في مدرسة يفجيني بريماكوف، قناعته كاملة بأن الدبلوماسية قوة لا تقل تأثيراً وفاعلية عن قوة الأسلحة الروسية في ميدان الحرب مثل الكلاشينكوف، وصواريخ « أفانغارد وكينجال» الأسرع من الصوت.

أدرك منذ وقت مبكر أن بلاده يجب ألا تتزحزح عن مقاعد الكبار في العالم، يجمع بين صبر وقوة وصلابة «بطرس الأكبر» وحكمة ودهاء القياصرة ألكسندر الأول، وبوريس غودونوف، استقى قاموسه الرفيع- ليس فقط من رموز اللغات الفرنسية و السريلانكية التي تخصص فيها منذ أن كان يدرس في معهد موسكو الحكومي للدبلوماسية والعلاقات الدولية- بل لأنه يحمل في مفكرته روعة كلمات فيودور دوستويفسكي وليو تولستوي وألكسندر بوشكين وليرمونتوف وبوريس باسترناك، المنطق الذي يتحدث به تناغم ويتوافق مع عشقه لموسيقى وألحان أنطون روبنشتاين، وبيوتر تشايكوفسكي ونيكولاي ريمسكي كورساكوف، وإيغور سترافينسكي. كل من تعامل معه أدرك أن دفاعاته الدبلوماسية عن مصالح بلاده تتشابه في قوتها وأبعادها وصلابتها بالمنظومات الدفاعية العملاقة والشهيرة مثل: بانتسير، وأس 500 ذات الطبقات والأمدية الدفاعية البعيدة والمتعددة، نظرته دائماً من بعيد وكأنه «يوري جاجارين» أول من نظر للأرض من فوق القمر.


إنه الدبلوماسي الرفيع ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، الذي يترأس الدبلوماسية الروسية منذ عام 2004، وحظي بحب واحترام كل الرؤساء الروس الذين يعاصرهم، فالرئيس بوريس يلتسين هو من منحه فرصة الدفاع عن مصالح روسيا الاتحادية في مجلس الأمن عندما كانت روسيا وقتها تتلمس طريقها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في 25 ديسمبر 1991، وكانت روسيا في هذا التوقيت على حافة الهاوية، كما كانت صورة روسيا في الخارج وخاصة في الغرب تحتاج إلى رؤية لافروف الذي يؤمن بأن «الأمم لا تنسحب من التاريخ»، وحتى لو مرت عليها ظروف وحالات من عدم اليقين، فسوف تعود أقوى وأقوى من جديد.

صورة من لقاء وزير خارجية روسيا وعبدالله بن زايد في موسكو


جسّد لافروف في تلك الفترة صورة روسيا التي كانت عامل استقرار في أوروبا خلال القرون الأربعة السابقة لانهيار الاتحاد السوفييتي، وأنها كما كانت في الماضي سوف تعود من جديد لاعباً ماهراً في صياغة ورسم عالم لا يمكن أن تتفاعل معادلاته بعيداً عن الدببة الروسية، هذا الإيمان بعظمة روسيا حتى عندما كان علماء الطاقة النووية والذرة يبحثون عن عمل في عهد يلتسين، هو ما دفع الرئيس فلاديمير بوتين ليثق في قدرات ومناورات سيرجي لافروف صاحب المناورات الدبلوماسية البعيدة حتى يكون على رأس الدبلوماسية الروسية ووزيراً للخارجية منذ عام 2004، وعندما تولى الحكم الرئيس السابق ميديفيديف أصر على بقاء لافروف حتى عاد الرئيس بوتين مرة أخرى للحكم فأبقى على صديقه الوفي سيرجي لافروف كعنوان لروسيا في الخارج.


العالم هو روسيا

أخبار ذات صلة

زيادة صادرات الصين من السيارات الكهربائية أكثر من الضعف
الصين تحتاط لفساد أقارب المسؤولين بتوسيع قواعد حكومية


كل الذين التقوا به وعرفوه قالوا عنه شيئاً واحداً.. إنه يرى «العالم هو روسيا»، لأن لافروف صاحب الـ72 عاماً والمولود في عام 1950 يرى في الجغرافيا الروسية التي تصل لنحو 17 مليون كلم، والتي تمتد من الشمال للجنوب بنحو 4000 كلم، ومن الشرق للغرب بنحو 10000، ولها حدود مشتركة مع 16 دولة، هي العالم كله، وهي محور التفاعلات السياسية في كل المعمورة، ليس فقط لأنها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، ولديها أكبر ترسانة نووية في العالم تتجاوز 6500 رأس نووي، وفق بيانات معهد السلام الدولي في ستوكهولم، بل أيضاً لأنها بلاد تتمتع بالكثير من مفردات القوة الناعمة مثل الموسيقى والفن والروايات الروسية التي يصعب مقاومة قراءتها.

استهداف دائم

يرى لافروف أن بلاده مستهدفة بشكل دائم، ليس من اليوم، بل منذ زمن طويل، ولهذا فإن مشهد انهيار الاتحاد السوفييتي لا يفارق لافروف على الإطلاق، يشعر أن هناك من يريد أن يسرق من بلاده كل شىء حتى قيم التضحية التي كان عنوانها نحو 28 مليون ضحية قدمتهم روسيا من أجل الانتصار على النازية في الحرب العالمية الثانية، بينما يحاول الآخرون جعل النصر حصرياً لهم دون الروس في الوقت الحالي، ولهذا يحسب الروس للافروف أنه أوقف كل محاولات إعادة قراءة تاريخ الحرب العالمية الثانية بهدف حرمان روسيا من هذه التضحيات التي لم تعرفها البشرية من قبل.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الرياض


خيار الضرورة

رغم أن لافروف كان لاعباً رئيسياً في الدبلوماسية الروسية منذ أن كان مندوب موسكو الدائم في مجلس الأمن، فإنه يرى أن رد الفعل الغربي ومن يوافقه، على العملية الروسية الخاصة في أوكرانيا والتي بدأت بالحرب في 24 فبراير الماضية، تشكل تحدياً دبلوماسياً كبيراً أثبت لافروف أن جهازه الدبلوماسي قادر على التعامل معه، فحتى كتابة هذه السطور فشلت كل الجهود في عزل روسيا سياسياً ودبلوماسياً بفضل حنكة وذكاء ودهاء لافروف وجهازه الدبلوماسي، فالكثير من الدول الأفريقية والآسيوية ودول أمريكا اللاتينية، بل حتى دول في قلب أوروبا ترفض المقاربة التي تقول بعزل روسيا، سواء عن العالم أو أوروبا، ولعل جولات لافروف الخارجية منذ الحرب الروسية الأوكرانية دليل متجدد على الرؤية البانورامية والتحليل النوعي لسيرجي لافروف التي تقوم على أن صيرورة الأحداث وتفاعلات المواقف، سواء القريبة أو حتى البعيدة لا يمكن أن تتجاهل الحضور الروسي.


وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف


شغوف بكرة القدم


خلال 18 عاماً من قيادته الدبلوماسية الروسية كان سيرجي لافروف متابعاً جيداً لكرة القدم، رغم أنه عايش أزمات وتحولات كبرى، منها حرب الشيشان الأولى والثانية، والحرب الجورجية الروسية عام 2008، وقبلها ما سُمي بالثورات الملونة في جورجيا عام 2003، وبعدها في أوكرانيا عام 2004، وما ترتب عليها من رد الفعل الروسي عام 2014 في دونباس شرق أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، ورغم كل ذلك كان يجد الوقت لمشاهدة كرة القدم في التلفزيون، فهو أحد مؤسسي الدوري الوطني الروسي لكرة القدم ،كما أنه أحد الداعمين الرئيسيين لـ«سبارتاك»، فريق موسكو لكرة القدم، لكن هل التفاصيل الخاصة بالحرب الروسية الأوكرانية، والجولات المكوكية لحشد الرأي العام العالمي للرواية الروسية حول تلك الحرب تسمح لنجم الدبلوماسية الروسية أن يشاهد من جديد مباريات كرة القدم؟