د.قصي همرور

بقي السودان دائماً ضيفاً على قائمة الدول الأكثر هشاشة في العالم

منذ اكتشاف البترول في السودان، عام 1978، ارتفع الناتج الإجمالي المحلي للسودان من قرابة عشرة بلايين دولار وقتها إلى أكثر من 115 بليون دولار مؤخراً (حسب قيمة الدولار في الزمنين)، وهذا تعميم لا يغني عن تفصيل، فهنالك عامل التضخم (الطبيعي وغير الطبيعي)، وهنالك قطاعات الإنتاج الأخرى، وعوامل أخرى كذلك، وحسب الإحصاءات، تضاعف متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 500 إلى فوق 2800 دولار.

بدأ تصدير البترول خارج السودان في نهاية التسعينات، ولذلك قد يظن البعض أن مساهمة البترول في الثروة بدأ وقتها فقط، لكن الصحيح أن العلامة الفارقة الأولى هي الاكتشاف الرسمي، إذ بعد ذلك تبدأ تلقائياً أنشطة كثيرة متعلقة (مثل عمليات الاستثمار، والتخطيط والتنقيب، وإنشاء المحطات، واللوازم اللوجستية، وتظهر وظائف جديدة ومهارات عمل مطلوبة، وأجور ونفقات.. إلخ) كلها تؤثر في الناتج الإجمالي المحلي، وبما أن بعض القطاعات الأساسية (الزراعية والصناعات الصغيرة) تراجعت منذ وقتها، فالغالب أن البترول غطّى عليها، لذلك يجوز القول إن تضاعف ثروة السودان كان عموماً بسبب البترول.

من الواضح لأي مواطن سوداني، ولأي متابع، أن الأرقام أعلاه تعدّ تناقضاً مأساوياً مع الواقع، أولاً: لأن مؤشر التنمية البشرية العالمي يضع السودان في أدنى قائمة البلدان، خصوصاً عند مقارنة نسبة ارتفاع المؤشر فيه مقارنة ببقية دول العالم، أما إذا استعملنا المؤشر الجديد (المعدّل بعامل عدم المساواة) فالسودان يتراجع بحدّة.

وثانياً: مؤخراً بقي السودان ضيفاً دائماً على قائمة أكثر الدول هشاشة في العالم، وهي الدول المأزومة بمستويات عالية من الفقر وضعف الاستقرار والعنف.

وثالثاً: من أهم دلائل التنمية الاقتصادية الحقيقية في حياة الناس القوة الشرائية للطبقة متوسطة الدخل، فإذا نظرنا لموظفي القطاع العام في السودان باعتبارهم شريحة تمثّل تلك الطبقة، فسنجد أن جميع هؤلاء بقيت مرتباتهم في السنوات الأخيرة تحت خط الفقر العالمي.

أعلاه مفارقة فلَكيّة تحكي قصة صانعي قرارٍ استبدلوا الإنتاج بالريْع، فكانت انتكاسة اقتصادية نادرة في العصر الحديث، ثم قصة فشل وفساد كبيرين في إدارة موارد البلاد.

أخبار ذات صلة

جمود أم انكماش كلي؟.. العالم يدفع ثمن الركود القصير أثناء الجائحة
هل أخطأ جيروم باول؟


السودان وأهله فعلياً يستحقون أفضل من هذا بكثير، والدلائل الموضوعية شاهدة (إذ ليس قولاً عاطفياً فحسب).. لا نبالغ إذن حين نقول: إن جدل الموارد والتنمية في السودان قضية حوكمة بالدرجة الأولى: الحوكمة الرشيدة للتنمية.