الر ؤية

في عام 1884، اجتمع ممثلون عن 11 دولة أوروبية بالإضافة للولايات المتحدة والإمبراطورية العثمانية في برلين من أجل تقسيم مساحات واسعة من بلدان أفريقيا إلى مناطق تنافس على النفوذ.

ولا نجد داعياً للإشارة إلى أن الأفارقة لم يكونوا ممثلين في هذا الاجتماع. فماذا كان الهدف منه؟لقد كان بكل بساطة يهدف للاستيلاء على ثروات أفريقيا ومصادرها الطبيعية وخاصة العاج والمطاط فضلاً عن مواصلة الاستغلال المخزي للعبودية البشرية.

وعلى مدى العقود الثلاثة التالية، تسابقت القوى الأوروبية لبسط نفوذها على القارة، وراحت تستنزف مواردها ومصادرها من المواد الخام ومنتجاتها الزراعية والبشر الذين كانت تأتي بهم من كل أنحاء القارة. وفيما بعد، أصبحت هذه الفترة من الاستغلال الاستعماري تُعرف باسم «التدافع نحو أفريقيا».

واليوم، هناك تدافع جديد نحو القارة بالرغم من أنه أقل سلبية بكثير من سابقه، ومعظم الناشطين فيه معروفون جيداً وهم الصين وفرنسا والولايات المتحدة والهند. مؤخراً، دخلت روسيا على خط هذه اللعبة من خلال استضافة عقد الاجتماعات الفخمة لقادة الدول الأفريقية في سوشي العام الماضي، وإرسال المستشارين العسكريين لحماية حقوق التعدين في جمهوريتي أفريقيا الوسطى والكونغو. وسجلت تركيا بدورها سرعة لافتة في افتتاح سفارات جديدة في معظم بلدان القارة تفوق سرعة أي دولة أخرى.

وكانت الصين تشكل اللاعب الأساسي في أفريقيا خلال العقدين الماضيين، وضخت لهذا الغرض مليارات الدولارات في القارة لتنفيذ مشاريع تشييد البنى التحتية الأساسية كالسكك الحديدية والسدود ومشاريع الطاقة والطرق. ومازالت الشركات الصينية تعمل على استمالة الطبقة الوسطى المتنامية من المستهلكين الأفارقة لشراء كل أنواع منتجاتها من البضائع المصنّعة وخدمات الاتصالات. الكل بات يعرف أن الصين هي أضخم مستثمر أجنبي في أفريقيا بمقياس القروض المخصصة لتمويل مشاريع البنى التحتية، بالإضافة إلى مشاركتها في الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

أخبار ذات صلة

هل أخطأ جيروم باول؟
العاصفة القادمة في العملات المشفرة

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الصين هي الشريك التجاري الأكبر لأفريقيا، ويزيد حجم التجارة بين الطرفين عن 200 مليار دولار، ولا يتجاوز حجم الشراكة التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا خُمس (1/5) هذا الرقم. ولا تزال الولايات المتحدة تلعب دور المستثمر الأجنبي الأكبر في أفريقيا، وتعهدت بتحدّي الصين من حيث النفوذ الاستثماري في القارة على الرغم من أن الأموال التي رصدتها لهذه الغاية لم تتدفق بعد. واحتضنت المملكة المتحدة مؤخراً مؤتمر الاستثمار في أفريقيا الذي أصبح معروفاً عبر العالم هذه الأيام.

وبهدوء تام، بدأ اسم دولة الإمارات العربية المتحدة يبرز كلاعب أساسي في القارة. وفي مثال واضح على الدور الذي يمكن أن تلعبه دولة صغيرة في التأثير على الأمور، استأثرت الإمارات بمرتبة رابع أكبر مستثمر أجنبي مباشر في قارة أفريقيا بين عامي 2014 و2018 بعد الصين وفرنسا والولايات المتحدة، وفقاً لتقدير «شركة إي آي» الاستشارية. وأشار أحدث تقرير صادر عن الشركة ذاتها حول «جاذبية الاستثمار في أفريقيا» إلى أن استثمارات دولة الإمارات أمّنت أكثر من 40 ألف منصب عمل جديد في القارة، ولم يسبقها في هذا الإنجاز إلا الصين والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة.

وتُعتبر «موانئ دبي العالمية» DP World الشركة المستثمرة الكبرى في القارة من خلال إشرافها على تشغيل واستثمار 7موانئ عبر القارة. وتشغّل شركة الإمارات للطيران أوسع شبكة من الخطوط إلى أفريقيا من أي ناقلة جوية أخرى، وعمدت شركة «مبادلة» للاستثمار بقوة في مشاريع تتنوع بين تعدين البوكسيت في غينيا وقطاع الطيران في إثيوبيا ومشاريع الطاقة في غانا.

وأصبحت دبي البوابة الرئيسة للتجارة الأفريقية، ووصل الحجم الكلي للتجارة غير النفطية بين دبي وأفريقيا إلى 37 مليار دولار عام 2018، ما يجعل دولة الإمارات واحدة من أكبر 5 شركاء تجاريين لأفريقيا. وتستضيف غرفة تجارة وصناعة دبي بانتظام المنتدى الأفريقي للعمل، الذي يستقطب كبار المستثمرين ورجال الأعمال والقادة السياسيين الذين يتوافدون إليه من كل أنحاء القارة.

ويمكن القول إن اهتمام دولة الإمارات بتطوير العلاقات مع أفريقيا يعود للفرص التجارية والاقتصادية التي تتيحها القارة. ومؤخراً، أصبح اهتمام دولة الإمارات بالقارة ذا طابع استراتيجي وخاصة منطقة القرن الأفريقي.

ولا يمكن اعتبار دولة الإمارات لاعباً جديداً في أفريقيا، كما أن المسؤولين الإماراتيين كانوا على تواصل مع نظرائهم الأفارقة لعدة أعوام. ويساعد كل هذا على تفسير المبادرة الاستراتيجية التي كشفت عنها وزيرة التعاون الدولي في الحكومة الإماراتية ريم الهاشمي، وهي مبادرة بمبلغ 500 مليون دولار لدعم وتمكين الشباب وخاصة في مجال التحول إلى البيئة الرقمية.

وقالت ريم الهاشمي في معرض شرحها للمبادرة: «أفريقيا هي المستقبل، ليس للأفريقيين فحسب، بل لكل العالم».

وهي على حق فيما قالت لعدة أسباب، فبعدد سكان يبلغ 1.3 مليار نسمة، ومن المنتظر أن يتضاعف بحلول عام 2050 وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، سوف تحتاج بلدان أفريقيا كلها إلى خلق مليون منصب عمل جديد شهرياً على الأقل حتى تواجه حاجات شبانها الذين يشكلون الغالبية العظمى من السكان.

وسوف يمثل تحدّي تأمين وظائف العمل في أفريقيا السمة المميزة للعلاقات الدولية خلال العقدين المقبلين. وكثيراً ما تتعرض الاستثمارات الصينية في أفريقيا للنقد والتشكيك بسبب عدم سعيها لخلق وظائف عمل جديدة. ومن الأخبار الطيبة حول هذا التدافع الجديد نحو أفريقيا هو أن الهدف منه ليس الاستغلال هذه المرة بل العمل. والأهم من ذلك هو أنه لا يهدف لتقديم المساعدة أو إنقاذ القارة، بل يهدف إلى تنشيط قطاعات التجارة والاستثمار. وهذه المبادرة التي أطلقتها دولة الإمارات سوف تُشكل على نطاق واسع تدافعاً حقيقياً نحو أفريقيا الجديدة.