جورج فهيم



يختار السائحون عادة الوجهات السياحية التي تتميز بجمال الطبيعة والمنشآت الترفيهية والحدائق ومدن الملاهي والمناطق التاريخية والأثرية والجزر المرجانية، لكن شريحة متزايدة من السائحين حول العالم يُقبلون على السياحة السوداء المرتبطة بالموت والمآسي، والتي تتضمن زيارة أماكن مثل معسكرات الموت والمقابر ومناطق الكوارث الطبيعية والمقابر الجماعية ومواقع الهجمات الإرهابية وحقول الموت في كمبوديا التي أعدم فيها الخمير الحمر نحو مليون شخص.

وتشمل القائمة عدداً كبيراً من مواقع السياحة السوداء بدءاً من قلعة دراكولا، مصاص الدماء في رومانيا، ومروراً بمتحف «الجروند زيرو» في مركز التجارة العالمي الذي شهد مصرع أكثر من ثلاثة آلاف شخص خلال الهجمات الإرهابية في11 سبتمبر.

وتمتد القائمة لتشمل أيضاً معسكر الإبادة النازي «أوشفيتز» في بولندا، ومدينتي هيروشيما ونغازاكي اللتين شهدتا استخدام أول قنبلة نووية في العالم، ومفاعل تشيرنوبيل الروسي الذي أدى انفجاره إلى موت أكثر من 20 ألف شخص، وسجن كاروستا في لاتفيا.

ولا تقتصر السياحة السوداء على مجموعة عمرية معينة بل تشمل الكبار والصغار والرجال والنساء، وربما يكون بعضهم مدفوعاً بالجوانب الثقافية والتاريخية لمسرح الأحداث الذي يزوره، إلا أن البعض الآخر ربما يكون مدفوعاً بمجرد الرغبة في التعرف إلى الأشياء غير المألوفة وحب المغامرة .

ويقول الخبراء إنه طالما ظل الإنسان شغوفاً بمفهوم الموت فإن السياحة السوداء ستظل صناعة مزدهرة، وهناك بعض المواقع السياحية مثل «انتامد بوردرز» تقدم عروضاً سياحية متكاملة لعدد من أخطر المناطق في العالم بدءاً من أفغانستان والصومال وسوريا وفنزويلا وإندونيسيا وكولومبيا وكوريا الشمالية.

ويحقق بعض هذه المواقع رقماً قياسياً في عدد زواره سنوياً، حيث يتجاوز عدد زوار الجراوند زيرو على سبيل المثال ما يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين شخص سنوياً، ما دفع منظمة السياحة العالمية إلى التنبؤ بأن تزايد شعبية السياحة السوداء سيجعلها رافداً رئيساً لحركة السياحة العالمية في عام 2019.

وتستفيد السياحة السوداء من الأفلام والبرامج التلفزيونية التي تروج لمثل هذا النوع من السياحة، وعلى سبيل المثال فإن منصة التلفزيون الرقمي «نتفليكس» الشهيرة عرضت مؤخراً سلسلة من الحلقات لأشهر مواقع السياحة السوداء حول العالم .

وتنظم بعض شركات السياحة في كولومبيا زيارات لمنزل زعيم عصابات تهريب المخدرات الشهير بابلو اسكوبار، فيما تنظم شركات سياحة أمريكية زيارة لمنزل السفاح الأمريكي ادموند كيمبر.

ورغم أن كثيرين يصفون عشاق السياحة السوداء بالمجانين ويتأسفون على رغبة البعض في تحويل المعاناة الإنسانية إلى مصدر للتسلية والاستمتاع، إلا أن تزايد شعبية السياحة السوداء يعكس شغف البشرية بالموت والنزعة الفطرية في الاقتراب إلى أقرب نقطة منه.

ويرى البروفيسور جون لينون مؤلف كتاب السياحة السوداء أنه من الصعب تحديد دوافع عشاق السياحة السوداء لأنها في النهاية خليط من إحياء الذكرى والتقديس والرغبة في فك شيفرة رموز الموت التي لا يستطيع البعض مقاومة إغرائها .

ويؤكد لينون أن مواقع السياحة السواء تبقى شاهداً حياً على فشل البشرية المتكرر في كبح جماح أسوأ أفعالها وشرورها، ما يجعلها كتاباً مفتوحاً لتعلم دروس الماضي والاتعاظ بها.

ويحذر لينون من أن بعض أنواع السياحة السوداء ربما تنطوي على نوع من المرض النفسي لمن يعشقون التلذذ بمشاهد العناء والفناء التي مر بها غيرهم في حقب سابقة.

وفي كثير من الأحيان تثير سلوكيات عشاق السياحة السوداء موجة من الغضب الشعبي في الدول التي يزورنها، ولا سيما عندما يلتقط السائحون صور سيلفي يبتسمون فيها في مواقع شهدت هلاك ملايين من الأبرياء .

ودفع تزايد شعبية السياحة السوداء البروفيسور فيليب ستون، لإنشاء أول مركز أكاديمي لأبحاث السياحة السوداء، مشيراً إلى أن فظاعة السياحة السوداء تفتح نافذة أمام البشرية لمعرفة كيف تفكر المجتمعات الحديثة في الموت.

ويشير البروفيسور فيليب إلى أن دراسة السياحة السوداء يجب أن تركز على رسم الحدود الأخلاقية والتخوم الضمائرية الفاصلة بين الجد والعبث.

ويلفت البروفيسور فيليب إلى أن محالة وضع كتالوغ لعشاق السياحة السوداء غير مجدٍ بسبب اختلاف دوافعهم وتباين تجاربهم وتفاوت مستويات الارتباط العاطفي مع الأماكن التي يزورونها.

ويحذر فيليب من أن رحلات عشاق السياحة السوداء إلى مناطق شهدت أحداثاً درامية ربما تنتهي هي ذاتها إلى أحداث أكثر درامية، مشيراً إلى أن بعض السائحين في العراق قطعت رؤوسهم، فيما خطف البعض الآخر في الصومال.

ورغم أن الشركات المنضوية تحت تنظيم رحلات السياحة السوداء تؤكد تطبيق سلسة من الإجراءات الاحترازية من أجل ضمان سلامة السائحين، مثل تقسيم الأفواج على مجموعات صغيرة والإبقاء على خطط الرحلة سرية والاستعانة بأكثر من سيارة لتفادي المخاطر في حالة تعطل إحداها، إلا أن هذه الإجراءات ربما لا تضمن سلامة السائحين عندما تخرج الأمور عن سيطرة المنظمين والحراس. وتشمل قائمة مزارات السياحة السوداء كل من قرية أوغادور سوجولان في فرنسا التي قامت فيها القوات الألمانية المتمركزة في فرنسا بسحق المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية .

تضم القائمة أيضا ممر القناصة سراييفو في حرب البوسنة، حيث تمركز قناصة من الصرب على أبنية مرتفعة وكانوا يطلقون النار دون تمييز، وبعد الحصار كان عدد القتلى بالمدينة أكثر من 11 ألف شخص .

وتتضمن القائمة مفاعل تشيرنوبيل في أوكرانيا، أسوأ حادث انفجار نووي في التاريخ وقع 26 أبريل 1986، وجزيرة هاشيما اليابانية، حيث أجبرت الحكومة اليابانية مئات العمال الصينيين والكوريين على العمل في مناجم فحم بها تحت وطأة التعذيب والقتل جوزيرة بوفيليا الإيطالية التي أرسل إليها أصحاب المشكلات العقلية والمرض

أخبار ذات صلة

كوستاريكا.. بورافيدا وشلالات وتنوع طبيعي ومغامرات
ميلوس.. جزيرة الكهوف الساحلية والبيوت الملونة