معد فياض

يمكننا أن نقسم بلدان العرب إلى قسمين، القسم الأول: تلك الدول التي تصفها شعوبها وقادتها بأنها دول عتيدة وقديمة وحضارية، والقسم الثاني: هي تلك التي نشأت وبنتها شعوبها وقادتها حديثاً.

شعوب وقادة القسم الأول تعيش على أمجاد غابرة، وتتباهى بحضارات كانت قد قامت فوق أرضها لكنها لا تمت لها بأي صلة، وشعوب تلك الدول غارقة في أحلام الماضي، مخدرة بـ(أفيون) إنجازات أقوام عاشت قبل آلاف السنين، وبقيت تفاخر بعناوين رنانة لم تعد تنطبق عليها، وأرجو هنا ألا يُفهم بأني أقلل من قيمة أي شعب عربي أو من هيبة أية دولة عربية، فالعراق الذي ما يزال يحمل تسمية بلاد الرافدين يعاني من شح المياه، وغالبية أراضيه تعاني من التصحر، بل ويشرب شعبه المياه المعلبة المستوردة من الكويت والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية.

بينما لم يعرف تاريخنا المعاصر أن اليمن قد عاش راهناً معاناة مع أنه ما يزال يحمل اسم (اليمن السعيد)، ولا تتوفر لدينا إحصائية عن نسبة المساحات الخضراء في (تونس الخضراء) اليوم، أما لبنان (عروس البحر المتوسط) فهو اليوم كأرملة يغزوها الحزن، بعد أن خربته الانفجارات وصراعات الأحزاب والتدخلات الخارجية.. هذه أمثلة سريعة لبلدان تتفاخر بأمجاد الحضارات الغابرة، مثل: السومرية والبابلية والآشورية والفرعونية والفينيقية.. إلخ.

أما شعوب القسم الثاني من الدول التي نشأت حديثاً، ووعت حقيقة مهمة وهي أن عليها أن تبني بلدانها حضارياً، وتحرص على امتلاك المستقبل، وتتطلع إلى الغد بوعي دون شعارات وهتافات رنانة، وأن حضارتها العلم والإنجازات الكبيرة التي تضعها اليوم على واجهة الدول المتطورة عالمياً، وتسابق الزمن متسلقة القمم العالية دون ضجيج فارغ، وفي مقدمة الأمثلة هنا دولة الإمارات العربية المتحدة التي وازنت بين تاريخها وأصالتها بالانتماء لأرضها، وبين الاستفادة من قيم الماضي لبناء حاضر يليق بشعبها ومستقبل أجيالها القادمة.

على الشعوب الحالمة والمُتكئة على الماضي أن تهيئ نفسها لأن تغادر سريرها المتعب، وتضع تاريخها في متحف أنيق، وتنفض عنها غبار آلاف السنين وتنطلق نحو البناء قبل أن تفوت عليها كل الفرص الممكنة.


أخبار ذات صلة

الأزمة الجزائرية ـ الإسبانية.. والرّسَالة المُوريتانية
السعودية وأمريكا.. «زيارة الحقيقة»