د. محمد المعزوز

لم يكن يتوقع حزب العدالة والتنمية المغربي، حجم الخسارة التي مُني بها في الانتخابات التشريعية الأخيرة، بالرغم من أنه كان يدرك أن شعبيته قد تآكلت حتى العظم، خاصة لما واجهته الجماهير بغضب شديد في الحملة الانتخابية، وهم ينددون بسياسته اللاشعبية والسلبية التي تعمقت منذ فوزه في الانتخابات البرلمانية سنة 2011 وتوليه الحكم لمدة ولايتين.

وحتى نخرج من تكرار كثير من الكلام حول أسباب هزيمة هذا الحزب، لا بد من الرجوع إلى أصول النظام السياسي في المغرب وعراقة بنيته التاريخية والثقافية. فتجربة صعود العدالة والتنمية إلى الحكم لمدة ولايتين متتابعتين لم تُخِف الملكية في المغرب أبداً، بالرغم من التوجسات التي أبدتها أوساط داخلية وخارجية التي رأت في حكم العدالة والتنمية، باعتباره ذراعاً للإخوان، تهديداً مباشراً للدولة باكتسابهم مساحة إضافية للتوسع الأيديولوجي في البلاد العربية.

لما سمحت الدولة المغربية في سياق الربيع العربي، لحزب العدالة والتنمية بالفوز في الانتخابات، كانت تنطلق من قناعة قبلية تتمثل في كون الإسلام السياسي في المغرب قصير النفس ومدة عابرة تحكمها الظرفية فقط، أمام النفس التاريخي والطويل للملكية التي ترسخت في وجدان المغاربة وثقافتهم لمدة ألف سنة، فاكتسبت مناعة دينية ثابتة ضد مختلف نزعات تسييس الدين ومغايرة الملكية باعتبارها حاضنة له.

المناعة الملكية في المغرب تأسست تاريخياً وفق العقيدة الأشعرية وفقه مالك وطريقة الجنيد السالك، وهي ثوابت جامعة مانعة أسست لتناغم الشخصية القاعدية للمغاربة مع الملكية واستمرارية عقد البيعة.

لذلك لا يمكن لحزب العدالة والتنمية أو لغيره من الأحزاب أن يتفوق سياسياً أو دينياً على الملكية، لأن الخلفية الدينية لنظام الدولة أقوى من الهدف السياسي لحزب العدالة والتنمية، باعتبارها خلفية روحية مؤسسة لشرعية الحكم، تحضنها روح الزوايا الممتدّة التي بلغت مختلف البلاد الأفريقية.

صحيح أن المغاربة صوتوا لفائدة الحزب الإخواني، العدالة والتنمية، في سياق ما يُطلق عليه الربيع العربي، غير أن هذا التصويت لم يعبر عن رغبة دينية مقابلة لدين الدولة ونظامها السياسي، وإنما كان تحت تأثير موجة احتجاجية عربية شاملة تنادي بإسقاط الفساد، ولم تكن أبداً احتجاجاً ضد الملكية في المغرب.

أخبار ذات صلة

الأزمة الجزائرية ـ الإسبانية.. والرّسَالة المُوريتانية
السعودية وأمريكا.. «زيارة الحقيقة»


أما البعد الآخر الذي لم يجعل الدولة في المغرب تخشى من الإسلام السياسي، فهو نظامها التعددي المنفتح الذي سنته مباشرة بعد الاستقلال، وهذا ما زاد من تقوية مناعتها الداخلية، ومن ثمّ اعتبارها حزب العدالة والتنمية لحظة عابرة وزائلة، فغُلق قوسها فعلاً في الانتخابات التشريعية والجهوية والمحلية الأخيرة.