د. واسيني الاعرج

يتعلق الأمر هنا، بالرسائل الفكرية الكبرى التي ساجل فيها المثقفون العرب بعضهم بعضا، كما ساجلوا غيرهم من مثقفي الأمم الأخرى حول قضايا تهم البشرية وليس الدائرة الضيقة. وكان لهذه الرسائل دوراً عظيماً في ترسيخ الفعل الثقافي كبديل للعنف والصراعات الدموية، والكشف عن مشكلات العصر الثقافية والحضارية ووضعها في واجهة المساجلة والنقاش.

لقد كتب الشاعر المتأمل أبو العلاء المعري (973-1057) في "رسالة الغفران" الوجودية التي وجهها لابن القارح، منتقدا فيها عقليات اللاعقل، مفككا يقين الأشياء، واضعا قارئه أمام حيرة وجودية حقيقية: ما موقعه في هذه الحياة؟ هذا الأثر وترك أثرا واضحا على رائد التحديث الشعري الأوروبي: دانتي إليغري.

وكتب ابن حزم الأندلسي (994-1064) رسالته العظيمة في الوجود الاجتماعي الذي جعل من الحب خطيئة: "طوق الحمامة، في الألفة والألاّف". وناضل بقوة لاستعادة إسلام العقل والتنوير والتسامح في عز القلاقل في قرطبة التي انتهت بنفيه وحرق كتبه.

وأبو حيان التوحيدي (ق10) كتب رسالة من نوع آخر، رسالة الحرق. أخبرنا فيها كيف أن حرفة الوراقة التي أدركته كانت قاسية عليه ومنعته من الحياة. فأحرق كل كتبه ثم اختلى ليكتب نصه العظيم "الإشارات الإلهية". صرخة يأس في عالم لم يعد يحفل بالأدب والأدباء. وكتب إخوان الصفا رسائلهم السرية في أواسط القرن العاشر: "رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء" التي بشروا فيها، بنظم ثقافية موسيقية، رياضية، وسياسية جديدة كانت ترتسم في الأفق ولم يكن عامة الناس يدركون أسرارها، وكانت رؤاهم مستقبلية حول الحكم وتحولاته، ولم يكن كتاب ماكيافيلي "الأمير" بعيدا عن وصاياهم في تسيير الدولة والرعية.

وكتب الشيخ النفزاوي، أبو عبد الله بن محمد (ق15) رسالته التي أثارت جدلا عظيما: "الروض العاطر في نزهة الخاطر"، بناء على طلب عبد العزيز الحفصي، حاكم تونس. والمؤلف واحد من أخطر الكتب، ليس في الجنس كما يعتقد الكثيرون، ولكن في التربية الجنسية وكيفية أنسنة الفعل الجنسي والارتقاء به عاليا.

ولنا أمثلة كثيرة في هذا السياق، تزخر بها آدابنا العربية لدرجة أن أصبح أدب الرسائل الثقافية والفلسفية ظاهرة حقيقية تستحق التوقف عندها ودراستها لمعرفة ما يتخفى وراءها.

أخبار ذات صلة

الاستثمار في الأمن الغذائي
أعيدوا لنا 7:15 – 1:30


الرسالة الثقافية لعبت وقتها دورا تنويريا حقيقيا. لكنها نظرا لخروجها، من دائرة العادي والمستهلك، جلبت لأصحابها وابلا من الغضب انتهى بالمطاردات، ومتابعات الفقهاء، وحتى الاغتيالات. لقد أُحْرِقَتْ كتب التوحيدي، ونفي ابن حزم، وظل إخوان الصفا في ظلمة السرية إلى اليوم، لكن العقل الجريح، ينتصر دوما.